
يخونني الحرف هذه المرة، يخونني فلا أستطيعُ الإتيان بكلمة وحيدة يتيمة لتعبّر عمّا يبدو بأنهُ قابعٌ بالداخل ممتنعٌ عن الخروج بأيّ شكلٍ كان، أستجديهِ بيأسٍ لكنه يأبى عن الامتثال لما أريد، تتوهُ الكلمات، وأفقدُ قدرتي على الإمساكِ بأحدها، أفقدُ صوتي في التعبير، أفقدُ رغبتي في الكلام، وكأنّ الكلام – أيًّا كان – ليس إلا حشوًا فائضًا لا يُفيدني بأيّ شيء، يُقال “لا ينتهي الكلام، تنتهي جدواه”، هذه الحالة قلّما تأتيني وإن باغتتني هكذا فإني أقفُ عاجزةً مشدوهةً عن فهمها، لكنّ صوتًا صغيرًا يخبرني كم أني أحتاج لأكون لوحدي، وأنها إذ تأتي بهذا الشكل الكثيف الثقيل فإنها تتشكّل على هيئة غصّة متكوّرة في حلقي لا هي تعتقني فتخرج ولا هي تمرّ بسلام فتدعني وشأني.
كان هذا العام طويلًا طويلًا جدًا، كان أكثرُ الأعوامِ غرابةً ودهشةً، وكان الأبطأ والأصعب والأشدّ، هذا العام الذي كنتُ أنتظره منذُ زمن طويل لكني كنت أجهلُ كيف سيأتي وعلى أيّ هيئة والأهمّ كيف سيعبر، وكيف سأخرُج منه، هذا العام الذي ألخّصهُ في كلمة واحدة هي “الدعاء”، لو خرجتُ منه بهذا الإدراك الوحيد لكفاني!
جاء هذا العام ليودّع أعوام العشرين الماضية، تلك التي عشتها بقلبٍ عِوضًا على أن يرقّ ويزهر، كان عليه أن يكون الأقسى والأكبر والأكثر جلَدًا وصبرًا، خرجَ لوحده للعالم في مطلعِ عشرينيّاتهِ غضًّا بِكرًا خديجًا، وإذ به يكبرُ سريعًا وينضجُ سابقًا أقرانه، لم تكن تلك الأعوام سوى خريفًا جافًّا يتلوهُ بردٌ ثقيل، تشتعلُ النارُ فيّ، حرائقٌ تتوالى دون أن يعلم بها أحد، لكني في كل مرة أحترق، يتساقط عليّ لطف الله ويغرقني مطرًا كثيفًا، سيلٌ عذبٌ يُطفئُ ناري، و ينتشلني من رمادي فتُبعثُ من جديدٍ روحي، عنقاءَ يُحييها الذي أوجدها وحده، يُنسيها ماقد كان، ويُبدلها في كل مرة ذاكرةً جديدة لتبدأ بها من جديد، أستظلّ تحت فضلهِ وعطائه فلا حولَ لي ولا قوّة إلا به، ولازلت أسألهُ المزيد طامعةً بعطاياه التي لا تنضَب، ولازلتُ أستبشرُ خيرًا، فعامي الأخير قبل الثلاثين لن يحمل معهُ سوى البُشرى، و سيُجبَر ما كُسِر بإذنه وحده، وسيأتي العوض باسِمًا نديًّا، سحابًا ماطرًا مُحمّلًا بالرّضا والسكينة.
“ألا زالَ هناك متّسعٌ للحلم؟” باغتني هذا السؤال فجأة، فيا سبحان من يودِع في روحِك الرغبة والحياة والحلم، لأستيقظ ذات يوم وكأنّ غشاوةً رماديةً قد انقشعت عن عيني، فأسألُ كيف سمحتُ لليأسِ أن يجدَ طريقهُ نحوي – ونسيتُ بأنّ اليوم والغيب كلهُ موكّلٌ بيدِ العزيزِ الجبّار وحده -، يقطعهُ أمرُ الرحمن حين يقول للمُستحيل كُن فيكون، وأيّ مُستحيلٍ في هذهِ الدنيا وأمرُنا كلهُ بين الكافِ والنون، وأننّا موعودون دومًا بالجبرِ والرّضى فإلّم يكن في هذهِ الحياةِ شِفاؤنا ففي الجنة لا سقمٌ ولا مرضٌ ولا كسرُ.
أستحضرُ الآن هذه الأبيات القريبة من قلبي:
“إذا زرعتْكَ في الغيبِ الأماني … فلا بدَّ الذي نرجوهُ نلقى
وإن قتلوك في قلبي صغيراً … فسُحقاً للذي منّي تَبَقَّى”
٢٦ مايو، ١٤ شوال، ليلة بدر مُضيئة وأنسام هواء لطيفة في مطلع صيف هذا العام، اليوم أكملتُ التاسعة والعشرين.
رأي واحد حول ““ألا زالَ هناك متّسعٌ للحلم؟””