٢١ من رمضان | ١٤٣٥

إنها ليلة الحادي والعشرون من رمضان، للتوّ قد انتهت أمي من صلاة التراويح، سنصلّي القيام هذه الليلة، أنظر لبطني المتكوّر المنتفخ أمامي كبالون، تبقّى لديّ عشرون يومًا حتى موعد الولادة المتوقع كما أخبرتني طبيبتي، وإنها والله لأيّامٌ طِوالٌ ثِقال. أقولُ لأمي بأني أفتقد حركة طفلتي اليوم، لا أشعر بأي ركلة، أكثرتُ من السكريات لكن لاشيء! لا حركة، بالعادة كنتُ حين أشربُ عصيرًا أو أتناول قطعة من الشوكولاتة تبدأ تركلني بشقاوة لذيذة فأتحسّس الجزء الصغير المنتفخ في بطني كنتوء بارز أتأمّلهُ لساعة، أمسح عليه فتتحرّك من جديد، لكن في تلك الليلة عمّ الهدوء وأخذ القلق يشقّ طريقه نحوي، فلم أستطِع صبرًا حتى ذهبت للمستشفى لأطمئنّ، تسألني الممرضة “هل صمتِ اليوم؟” فأقول نعم، فتنهرني بشدّة ذاك لأني وعلى مدى ثلاثةِ أيامٍ قبلها كنتُ أتردّد للطوارئ ثم أعود للبيت، إنذار ولادة خاطئ وفي كل مرة كانت تضع حزام قياس نبضات قلب الجنين على بطني كانت تناولني عصيرًا فتكسر بهِ صيامي، حتى كانت تلك الليلة، في الليلة التي تسارَع فيها كل شيء، ذهبتُ لأطمئنّ فإذا بها تخبرني بأنّ نبضُ الصغيرة ضعيفٌ جدًا، حبلها السرّي كان أقصر من أن يوصلها بالأكسجين الكافي لعمرها الآن، ولابدّ من إجراء عملية قيصرية الآن، لم يكن هناك وقت يكفي، الجهاز الذي يُظهر تخطيط نبضات القلب بدأ يصفّر فإذا بالممرضات يتدافعن نحو الغرفة .. أظلم كل شيء، تلك الغرفة المشعّة بياضًا استحالت ظلامًا دامسًا في عيني، وشعرتُ كما لو أنّ حواسّي كلها أصابها التنميل، خدرٌ يسري في جسمي، حتى وجدتني في سرير، عيني مُعلّقة بالأعلى باتّجاه النور الذي بدا ساطعًا على نحوٍ مزعج ثم انتبهتُ لطبيبتي التي تمّ استدعاؤها فجرًا من منزلها، كيف أتت ومتى! لا أعلم! تبتسُم لي ألّا بأس، حتى خرجت لجين، وضعتها على مرأى مني لكنّ مسافةً عظيمةً كانت تفصلها عني، أسألهم “لمَ لا تبكي؟ الطفلة لا تبكي!” أنظر إلى طفلتي نظرتي الأولى إلى ذاك الوجه الصغير بحاجبيها المقطّبين وعينيها العابستين، حتى أطلقت صرختها فشعرت بالهواء أخيرًا يدخُل رئتيّ!

تخبرني الطبيبة “الطفلة بخير، لا شيء يدعو للقلق، تحتاجين أن تنامي الآن” بنظرة منها نحو طبيب التخدير الجالس فوق رأسي، تسرّب الخدر والنعاس حتى أطبق جفنيّ، لا أعرف كيف نمت وكم لبثتُ هناك في تلك الغرفة الباردة، ولم أعرف أكانت ساعات أم دقائق لا أدري، حتى فتحت عينيّ فإذا بالغرفة وقد خلَت منهم عدا من ممرضات يحملنني لسريرٍ آخر يأخذنني لغرفة أخرى، كما الاستيقاظ من حلم، كان ذاك يوم الجمعة، في الساعة السادسة صباحًا وُلدت لجين، قطعة الفضّة المعلّقة بداخلي نحو اليسار، في منتصف قلبي تمامًا، أراها تلتمع في عيني، فضّةُ عيني والتماعُها، وُلدت على عجل، قبل ميعادها الذي خطّتهُ يدّ البشر وتمامًا في ميعادها الذي كتبهُ ربّ البشر ومُحييهم وخالقهم سبحانه، في يومٍ مُبارك، في صباحِ أول يومٍ من عشرٍ مباركة، وُلدت لتبارك عمري وتصحبني منذُ أوّل العمر، فلم أكن سوى ابنة الثانية والعشرين وقتها، وعلى أعتاب بداية سنة التخرّج الأخيرة في الجامعة، أتت لتكون ابنةً وأختًا وصديقةً وصاحبةً في هذا الدربِ الذي سنمضيه معًا، ترمّم كل واحدةٍ منّا كسر الأخرى، أطال الله بعمر صغيرتي وحفظها الرحمن لي وأتمّ نعمهُ عليها وأدام صحّتها وعافيتها زينة الحياة الدنيا وزهرتها.

البارحة وبعد سبعِ سنين، أكملت لجين السابعة بعد أن أتمّت عامها الأوّل بالمدرسة بحمدٍ من الله ومنّة، هذا العام الطويل الطويل، بدأ صعبًا وثقيلًا، بدأ بالكثير من البكاء، من محاولاتٍ عديدة للفهم، لعقلها الذي قد بلغ السادسة فقط ولقلبها الكبير الذي كان يفهم كل شيء لكن بشكلٍ ما لم يكن ليستوعب التغيير الذي طرأ مُفاجئًا عليها، ليالٍ طويلة قضيناها بالحديث وبالعديد من الأسئلة، وبمحاولاتٍ مني لإجابتها بالشكل المبسّطِ لها، نُنهي ليلنا، فيقابلني وجهها حين تنام، وترنو إلى قلبي، تتوسّدُ ذراعي، ويدها الصغيرة تحت خدّها تمامًا كما أفعل، لم تأخذ مني لا شبهًا ولا شكلًا لكنها حين تتحدّث أو تغضب، حين تشاكس أو تضحك، أراني فيها فأضحك أضحك لا أعرف كيف تنتقل الروح بل تنشطر إلى نصفين هكذا! تقرأُ عيني ببراعة، فكان عليّ أن أُواري غضبي و حزني، غضبي في أوّل البدايات وحزني لما آلت إليه حياتها، حتى سألتني بعد عدّة أشهر: “ماما أنتِ مبسوطة!” فتهلّلت أساريري وكبّرت وحمدتُ الله وأردفت “مره مبسوطة!” فترتسم ابتسامة كبيرة على محيّاها الذي لم أشهد قبله ولا بعده ألطفَ وأسعدَ منه وتقول: “أنا بعد مبسوطة ماما الحين” فكانت تلك اللحظة بلسمًا تنزّل على قلبي رضًا ورحمةً من اللطيف الرحيم سبحانه.

رأيان حول “٢١ من رمضان | ١٤٣٥

  1. السلام عليكم أسماء 🌸
    سعيدة بالعثور على مدونتك وقراءة تدويناتك، كلماتك تمسني كثيرًا :)
    يبدو أننا من موالد ذات العام، أتمنى لك عامًا جديدًا مبهجًا، تحفه الطمأنينة والرضا💛

    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      سعيدة فيك نوّار، حللتِ أهلًا ووطئتِ سهلًا، أسعدكِ الله وتمّم عليكِ نِعمَه وزادكِ فضلًا ورضًا وسعادة يارب

أضف تعليق