وجدٌ لا ينام

انتهيت من قراءة الكتاب منذ يومين تقريبًا، وكنت كل يوم أفتح صفحتي في goodreads لإضافة مراجعتي للكتاب لكني أنتهي بكتابة سطرين ثم ما تلبث المشتّات من حولي بأخذي من مهمتي هذه، لكني الآن أعدتُ صياغة الكثير من السطور، وأضفتُ العديد منها أيضًا، لذا آمل أن تكون مراجعتي جيّدة ووافية بالشكل الذي يقنعكم بقراءة الكتاب :)


“وجدٌ لا ينام” هي رواية أو سيرة ذاتية للكاتب، لغته بسيطة، أحببت الحوارات وطريقة السرد بأسلوب روائي قصصي جميل، أسلوبه بالوصف والكتابة غير متكلّف، لم أجدها مشوّقة بالبداية رغم أني شعرت بمحاولة الكاتب لصنع نوع من التشويق وذكر بعض التفاصيل لمواقف معيّنة لكن معرفتي السابقة بأن الكتاب يناقش نوع من الاضطرابات النفسية هو ما دعاني لمواصلة القراءة أكثر.

تقريبًا في كل فصل أنتهي منه كنتُ أُطلقُ تنهيدة عميقة وطويلة، كنت أقرأ مشاعري مكتوبة، أقرؤني في صفحاتٍ عدّة، واضحة وجليّة، هذه أنا! أُعيد قراءة الصفحة من جديد، أُعيدها أيضًا مرة أخرى، ثم بعدها حاولت أن أُبطئ في قراءتي للكتاب، أصبحَ رفيقي في الصباح، في طريق ذهابي للعمل كان بمثابة رسائل الصباح التي لطالما تمنيت أن أستيقظ على أحدها، فأهديتُ نفسي تلك الصفحات، استطاعت تلك الكلمات بعد الله أن ترفعني قليلًا عن الأرض، ربما هذا ما أرادتهُ وجد، أن نكون مدركين وواعين لما يحدث في داخلنا، لكمّ المعارك التي تشتعل وتخمد لوحدها بعيدًا عن أعينِ الناس، نحنُ من نعرف جيّدًا كيف نداريها أحيانًا، ونهرب منها في أحيانٍ أخرى، وجد هي نحنُ، وجداننا وضميرنا الذي نحرصُ أن يكون يقظًا على الدوام، وجد هي الأنا التي تقبعُ بداخلنا، ترى وتشعر بما يحدث جيّدًا وتواجهنا، تلومنا في أوقات وتجلدنا حتى نمقت أفعالنا وتعظّم أقوالنا فيأكلنا الندم ثم ما تلبثُ أن ترفعنا عاليًا، تُشيرُ إلى إنجازاتنا وترفع بيدها نظارتنا السوداء فنرى كل شيء بوضوح، تمامًا كما تسطع الشمس علينا وعلى كل ما حولنا فنرى الوضوح متجلّيًا برّاقًا ولامعًا، نتعلم ببطءٍ كيف نُعطي كل شيءٍ حقّه، حقهُ في الحزن، في الضيق، في الغضب، وحقهُ أيضًا بالاحتفاء والفرح، والامتنان والشكر في كلا الأمرين، لولا أحدهما لما شعرنا بالآخر.

يصحبنا معن في رحلته لاستكمال دراسته في نيويورك، يُرينا العالم في أبهى صوره، ننتقل معه بالأحداث حتى يعرّفنا على وجد، ثم تبدأ قصته لتأخذ منحى آخر، بدءًا من معرفته بالاضطراب ورحلة علاجه، هنا بدأت بالتريّث في قراءتي لأشعر بالكلمات وهي تشقّ طريقها نحوي، – بعد الله – نحو أوّل خطوة في طريق التشافي الذاتي الذي بدأته.
ربما أكثر ما شدّني وبسببه أحببتُ الكتاب، هو صدق المشاعر المكتوبة، الوصف كان حقيقي وواقعي جدًا وربما هذين الاقتباسين كانا الأشدّ واقعية بالنسبة لي، وأعرف كيف يبدو الشعور بهما جيّدًا جدًّا!

“حينما تكون مُبتهجًا وهائجًا طيلة النهار، يحلّ الاكتئاب في المساء كسحابة داكنة مانعة للرؤية، أنت مزيج من الأشياء المتضادّة، أنت في محاولة مستمرة لمعرفة سرّ ما يحدث، كل شيء مشكوك فيه، وخيالك يُمتعك كثيرًا.”

“العاصفة مستمرة، الأفكار المُخيفة تُهاجمك بغتةً ومن كل مكان، جسدك وحده يواجه هذا الانهيار، أما روحك فمُستلقية في القبر، صوتك أصبح مُرتجفًا وفي تردّد، دقات قلبك في تصاعد، نفَسك متسارع، إنك يائس، فاتِر، كسول تجاه فعل أي شيء، وجهك يميل إلى الاصفرار، وتبكي بلا سبب.
في هذه الحرب الشعورية أنت بحاجة لأخذ قسط من الراحة كل ثلاث ساعات، أنت منطفئ، تظن بأنك ارتكبت خطأً، في ذُعر مستمر، تشعر بأنّ أمرًا سيئًا قد يحصل. بالرغم من شقائك وبؤسك والغلبة على أمرك، إلا أنه ينتابك أحيانًا الضحك والمرح بشكل زائد.
لهذه النوبة الوجدانية قوة غريبة يمكن لها أن تودِي بك، كما أن لها نارًا تجري في دمك وتفور وتغلي في رأسك. لهذه النار الثائرة أن تُلهمك وتُشعل الإبداع بداخلك كما لها أن تلتهمك لتجرّدك من كل شيء.
تنسجم لديك الأعصاب البصرية والسمعية وتُحدِث تناغمًا شديدًا في الصوت والصورة، أنت ترى من هذا الخيال الجامِح كيف يُمكن المزج بين الحقيقة والوهم. أنتَ تبذل الجهد باستمرار وبلا كلل لتحقيق شيء ما ولكن النتيجة دائمًا ما تكون مثبّطة.”

أخيرًا، – وعن تجربة – وكما أوضح معن في بداية القصة إلى آخرها عن أهمية الكتابة ودورها أختم بهذه الاقتباسات:

“إنّ الكتابة تجعلني أهدأ وتُبقيني في حالة مستمرة من الدهشة والتعلّم، ما يُشعرني بأني بخير”

“الإنسان ليس دائمًا كيف انتهى أو كيف بدأ. إن القوة المقابلة التي يجب عليك أن تخلقها هي أن تسخّر كل الصور والأصوات والمشاعر المُصاحبة لك جرّاء العاصفة، وأن تضعها في كلمات وُجمل مرصوصة يقرؤها العالم.”

“السلام عليك، أن تجدَ النور، أن تسعى باحثًا عن ضالّتك، أيًّا كانت، أن تستمرّ في البحث، أن تسقط ثم تنهض في كل مرة، أن تنهض بروح مختلفة، بفرصة جديدة، بمنظور أوسع، أن تنضج في كل إخفاق أو سقوط، أن ترى الأشياء بصورة حادة، بجانب مُختلف عن السابق، أن تبتعد عن كل ما من شأنه إبقاؤك عالِقًا في الأسفل، أن تسعى لفعل شيءٍ ما، ولو كان صغيرًا جدًا، أن تُسقي نبتة، أن تفعل ذلك وأنتَ مؤمن ببصيص أملٍ قادم، بنورٍ يشعّ من آخر النفق.”

هذا الكتاب يستحقّ الشكر حقيقةً، لذا شكرًا كبيرة جدًا دكتورنا وأديبنا معن، ممتنة لله أن يسّر لي وسخّر لي الطريق لمعرفة هذا الكتاب، كنتُ أدعو الله كثيرًا لينتشلني ممّا أنا فيه، وكانت الاستجابة أمامي، وكان بعد الله خيرُ معين، إعجابي بالكتاب قد يراه البعض مُبالغًا فيه ربما، لكن على قدر التجربة وعلى قدر الإحساس بما هو مكتوب، حتمًا ستتغير نظرة وشعور كل أحد فينا تجاه الكتاب وتجاه كل التفاصيل التي تمّ ذكرها، كانت هناك وقفات كثيرة مع النفس وإسقاطات عديدة، كجلسة تأمل عميقة مع الذات، لتغيير الطريقة التي ننظر بها للعالم ككلّ ولعلاقاتنا مع الآخرين وكيفية مواجهتنا للحياة وتعاطينا مع مصاعبها ومسرّاتها أيضًا.

والآن بعد أن أنهيت الكتاب، كل ما أُريده وأتمناه هو أن يتناقل هذا الكتاب ليصل إلى كل الناس، ليقرؤه العالم أجمع! دُمتم بخير وصحة.

أضف تعليق