فأعِدنا إلينا كيما تُعيدنا إليك*

original

منذ بضعة أيام وأنا أفكّر كيف ألخّص عامي الأخير، الأمر أشبه ما يكون بأن تكون في منطقة عبور، من المفترض أن تصل إلى الباب الآخر لفتح فصلٍ جديد من حياتك، لكنني أراني عالِقة تمامًا في المنتصف، منطقة الما بين، أن تفتح هذا الباب يعني أن تغلق الآخر بكل مافيه، لكني أعلم جيّدًا جدًّا بأني أحتاج للتشافي أوّلًا، لا تبني على جرحك حتى يندمل، لا تبني على كسرك حتى يُجبر، لكن الحياة تسير على وتيرة أسرع من أن ألحق بها، وأسرع من أن أتريّثها قليلًا لألتقط أنفاسي وأرى ما أنا متجهةٌ نحوه، كل ما عليّ فعله أن أسير معها، بل أركض معها بنفس الوتيرة، لكني ومنذ مدة طويلة أذكر بأني بدأت بالركض دون أن أتوقف، تخيّل نفسك تعدو في مضمار لا ينتهي، يتوقف بعض المتسابقون عند خطّ النهاية، وبعضهم يقترب، وبعضهم يتوقف ليلتقط بعض أنفاسه لكنك لا تستطيع التوقف، لا يهمّ فزت أم خسرت السباق، تريد أن تتوقف قليلًا لكن لا، ليس بعد، كل ما حولك يخبرك بأنه لم يحن الوقت بعد، لا أحد أخبرني بأني يومًا ما سأصِل، كلهم يقولون لي بأن أزيد من سرعتي، ربما ركضي أبطأ ممّا ينبغي، لا أحد يقول لي كيف أتعلم التنفس وأنا أركض، وهل من حقي أن أتوقف قليلًا، كانوا يوجّهوني دائمًا للاهتمام بمن حولي، لا تعبسي في وجههم، لا تُعارضي، كوني مرنة أكثر، ليّنة أكثر، لم يكن مهمًّا هل كان الآخرون يعبسون، يصرخون في وجهي، يقولون “لا” عريضة دون تبرير، لا يهمّ، تقبّليه بصدر رحب، تعلّمي كيف تتقني الدور جيّدًا، كان الاهتمام بتعابير وجهي ونبرة صوتي وكل الكلام الذي يخرج مني أهمّ بكثير مما يدور في داخلي، أهمّ بكثير من أي تساؤلات لم أجد لها إجابات في رأسي، أهمّ من النار المشتعلة في قلبي دون أن يكترثوا في كيفية إخمادها، لا أحد علّمني كيف أصبر، قالوا لي اصبري اصبري لكن لم يعلّموني كيف يكون الصبر وكيف أهتمّ في نفسي وفي قلبي، لم أسمع الأمل في كلامهم، لم يتكلّفوا حتى عناء الكذب ليخبروني بأنّ الأمور ستتحسّن، لا معنى للصبر إلّم يكن هناك أي أمل، كانوا كمن يعلّمون مريضًا ليتقبّل مرضه المزمن لكن الحقيقة بأني أستطيع التخلّص من هذا المرض لكن لا يفترض بي ذلك، بل عليّ تحمّله وتقبّله كجزء لا يتجزّأ أو ينفصل من حياتي والصبر عليه، هنا فقط .. توقفت، إن كان عليّ أن أتعايش مثلما يقولون، فإنه يجب عليّ البدء منّي، من نفسي، ونفسي فقط.

كان عامًا مُرهقًا، صعبًا، طويلًا وثقيلًا جدًّا، ربما مُرهق كانت الكلمة التي تصف بشكل دقيق جدًا شعوري ونفسيتي بالضبط لعامي الفائت، مُرهقًا ومُتعبًا من جميع الأصعدة، نفسيًّا كنتُ في الحضيض، في أسفل وأدنى نقطة وصلت إليها، لم يسبق لي أن مررت بهذا الكمّ من التدهور النفسي والصحّي من قبل، كل ما حدث كان لحكمة نغفل عنها ويعلمها العليم الخبير سبحانه، لا أعترض ولا أقول سوى هذه خيرة ربي وهذا عطاؤه فالحمد والشكر له دائمًا.

تنهيدة طويلة: المشكلة تكمن حين يكون خلاصُك وراحتك في أمرٍ يعارضك فيه الجميع، رغم ذلك حاولت من أجلي، حاولت وكنت أشعر كما لو أنها فرصتي الأخيرة لأن أصمد على قراري هذا، فرصتي الأخيرة للمحاولة، فرصتي الأخيرة للاختيار، فرصتي الأخيرة لأمارس حقي في التعبير والإصرار على رغبتي الوحيدة، محاولاتي تلك كلّفتني الشيء العظيم، كلّفتني ليالٍ طويلة من الأرقّ، من البكاء الذي لا فائدة منه، من القلق والتوتّر الشديد الذي بالطبع أثّر على جسدي وصحتي العامة ككلّ، لم أعرف إن كان اكتئابًا حقيقيًّا أم ماذا بالضبط، لكني كنت أتمنى الموت في كل يوم، وكنت أتخيل سيناريوهات لأشكال عديدة من الموت، في كل مرة أعود فيها من العمل، في طريق المنزل، كنتُ أضع رأسي على نافذة السيارة المُعتمة وأسرح في وجوه الراكبين للسيارات المجاورة، كنت أقول في نفسي مرارًا “أسماء هذهِ ليست نهاية العالم هذه ليست نهاية العالم!” وفي كل مرة أردّ فيها على نفسي “وماذا لو أردت نهاية العالم أن تحدث؟ لو انتهت حياتي الآن؟ سأرتاح!” كنت أذهب للممشى القريب من بيتنا سيرًا وكنت أقول: “هل سأرتاح أخيرًا لو دهستني سيارة الآن وأنا أقطع الشارع ذهابًا للممشى؟” ضللت فترة طويلة على هذه الحال ولازلت أرى الموت هو خلاصي من هذه الحياة التي لم تعد حياتي بعد الآن.

أحيانًا، في بعض الليالي حين أضع رأسي على الوسادة قبل النوم أتخيّل شكل يومٍ هادئ، كانت السعادة صعبة جدًا لأن أصل إليها، أو أتمناها، كنتُ أتخيّل كيف لي أن أشعر بالهدوء، بلحظة صفاء وسكينة، بالسلام وهو يعبُرني، كيف لكل هذه المفردات أن تتحوّل إلى شعور؟ كيف لي أن أنعم به؟ ماذا عن الأمان؟ بدت لي الكلمة الأخيرة عصيّة عن الفهم وأقرب للخيال، ويصعُب عليّ تصديق ما إن كانت كلمة حقيقية لها شعور حقيقي يستطيع أن يشعر أي أحدٍ منّا فيه! بدت كلمة الاستقرار أيضًا غير منطقية، كل الكلمات هذه لا تمتّ للحقيقة بشيء ولا وجود لها في عالمي. ما الجدوى لأن أضيف عمرًا فوق عمري، توقفتُ عن العدّ منذ أن بلغتُ الخامسة والعشرين قبل ثلاث سنوات من الآن، شعرتُ بأنّ جسدي من يومها ذاك لم يعد يتحمّل مكوثي فيه، كنت أسأل دائمًا ربما كبرت روحي على جسدي حين توقف عند الخامسة والعشرين، ربما نفسي المُثقلة والمُتعبة كانت أكبر وأثقل من أن يتحمّلها قلبي وجسدي، هذا يُفسّر ربما حالات الدوران والغثيان التي كانت تصاحبني بكثرة طوال عامي هذا.

لم أشعر بالضيق من فترة الحظر التي بدأت منذ عدة أشهر، توقفتُ عن عدّ الأيام منذ أن تجاوزنا الشهر الأول ربما، هذه الفترة كانت عذرًا كافيًا يسمحُ لي بأن أمكث في البيت غير مُجبرة لأداء الواجبات وبعض الزيارات العائلية، لم أكن أشعر بالرغبة بمقابلة أحد قبيل فترة الحظر، كان خروجي من المنزل غالبًا إلى العمل و إلى البقّالة فقط، فجاءت العزلة كما كنت أشتهي، كانت فرصة لأتصالح مع نفسي، في كل صباح كنت أجدّد عهدي مع الحياة، كنت أقول لها: اليوم محاولة جديدة للتصالح، اليوم فرصة جديدة، وكل يوم أقول بأنها الأخيرة، لكني لم أيأس بعد، ربي عظيم ربي عظيم ربي عظيم والمعجزات يصنعها ربي وحده، ربي كريم جدًا جدًا، يُكرمني ربي، يامن إن أعطى أدهش سبحانه.

مؤخرًا، استعنت بـ Life Coach كتجربة أولى، بدون أدنى تردد أو أي تفكير، لنقل بأنها هدية عامي الثامن والعشرون في هذه الحياة. حين وجدت الفرصة أمامي قلت لمَ لا؟ كانت هناك تلك الفكرة الصغيرة التي رافقتني منذ أكثر من سنة لأبدأ في تنفيذها فعليًا لكني بطبعي أُشغل نفسي بالعديد من الهوايات والاهتمامات وكأنّ حياتي ليست مشغولة بالشكل الكافي، لكن تلك الفكرة كانت ملحّة ومن الصعب عليّ أن أتجاهلها ، لم تكن عابرة، كانت مدروسة جيّدًا في رأسي، وبالفعل من هنا كانت البداية، لحظة مشاركة الفكرة والشعور بالحماس وكأنك تلمسها بيديك هو كل ما كنت أحتاجه كخطوة أولى نحو تحقيق أحد أحلامي إن شاء الله. كانت بداية مشوّقة، منذ مدة ربما لم أتحدث بمثل تلك الرغبة والشغف الذي ظننت بأنه مات منذ فترة طويلة حين بدأت بالتخلّي عن آمالي وتطلّعاتي، ما كان علي سوى أن أقتنص فرصة ماثلة أمامي قد لا تتكرر؛ وربما ما زادني حماسًا كوني أعرف الشخصية التي ستكون مدرب الحياة الخاص بي، تذكرت كل عقبة ربما أكون قد وضعتها بنفسي وليست موجودة بالحقيقة، تذكرت كل ندبة وعلامة تركها أحدهم على نفسي حتى أصبحتُ بهذا الشكل، شعرت بأني أحتاج أخيرًا للتخلّي عن هذه المخاوف التي تعيقني من تجربة أي شيء، تمضي الأعوام وأحمل مخاوفي، ترددي، ومشاكلي النفسية التي تكبر معي كلما كبرت، انتهت أول جلسة معها على وعد أن يكون حديثنا القادم ربما أكثر عمقًا وكلّي حماس وتطلّع لخِتام هذه الجلسات ومالذي سيكون أثرها علي وكيف سيساعدني ذلك في تحقيق رغباتي في الحياة.

 

حين أتأمّل حالي، سبحان من يوجد الأمل في قلبي بعد أن نزعهُ كل من حولي منّي، لا أتصوّر مقدرة أي بشر لأن يعيش دون أن يحبّ نفسه، أظن بأن الأمل يأتي حين تبدأ تحبّ نفسك، لأنك وحدك من يُسعدها وتعرف كل السُبل والطُرق المؤدية إلى شِغاف قلبك وروحك، تعرف ما يُبهجها، ما يجعلها تستمرّ باستمرار هذه الحياة التي وُجدنا فيها، تتلمّس الحبّ في طقوسك، في روتينك اليوميّ، في اهتماماتك وهواياتك الشخصية، لكن لا تتعلّق بأحد، لا تتعلّق بأحد، لا تتعلّق أبدًا ثم أبدًا بأيّ أحد، كائنًا من كان، لا تنتظر أيّ شيء من أحد، حرفيًّا لا تنتظر أيّ شيء، مادّيًّا كان أم معنويًّا. حاول أن تستقلّ بنفسك ما استطعت، أن تترفّع عن كل ما يسحبُك للقاع، عن كل تفاهة تعلم بأنها تُحاك أمامك أو من خلفك، تجاهل كثيرًا كثيرًا، حتى من أقرب الناس إليك، حاول أن تنأى بعيدًا عن كل ما ينغّصك، إلّم تقدر أن تبتعد جسديًّا عنهم، فلتدع فكرك وعقلك أن ينشغل بعيدًا عنهم، لا تأخذ هذه المنغّصات بجدّية أكثر، لا تحجّمها أكبر مما هي عليه، حاول أن تعيش بخفّة دون قلق وتفكير يُثقلك.

كل عام وأنا أقترب إلى نفسي أكثر، كل عام وأنا أحبّني أكثر، أتقبّلني أكثر، على أمل أن ألقاني العام القادم وقد فعلت بكل ما أوصيكم وأوصيني فيه الآن إن شاء الله، على أمل أن أعود إلى شغفي بالقراءة وأن أرى تقدّمًا ملموسًا في أصعدة كثيرة أطمحُ لها في حياتي، أن أنهض كلما سقطت ولا أتوقف أبدًا عن النهوض، لأنها الحياة ولأننا خُلقنا في كبد، فلن نعيش من دون شقاء حتمًا، هذه المصاعب بعد الله هي ما تصقلنا وتضيف لنا هذه القوة التي نحتاجها للاستمرار، حتى ألقاكِ العام القادم، كوني حيّة بإذن الله ومشيئته لتحصُدي ثمار صبرك وتعبك. وأنتم يا أصدقاء الروح، كونوا بخير لتشهدوا ذلك.

هذهِ ليست إلّا بداية البدايات، لأني أحبّ صنع البدايات، ولا أكتفي ببداية واحدة، والبدايات لديّ لا حصرَ لها، أحبّ روح البدايات المقترنة بالصباحات، والصباحات هي كل البدايات، ممزوجة برائحة القهوة والخبز المحمّص والبيض والكعك والفول السوداني والمربّى. بالشمس التي تشرق معها روحي كل يوم، متناسيةً ما يحصل بالأمس، حين تسألني كيف تتلمّسين دائمًا بنفسك البدايات وتصنعينها دون كلل؟ أقول لك لولا الله ثم تعاقب الليل والنهار وهذه الشمس التي أراها في عيني كلما نظرت للمرآة لأخبرني بأنّ الأمور ستكون دائمًا على ما يرام لأني وكلتها لمدبّرها وميسّرها، صدقني لولاه لظللت أعيشُ في عتمةٍ نهائية وأسأل الله ألّا نغيب ولا ننطفئ أبدًا. وإن انطفئنا فارزقنا اللهمّ البصيرة والعون، وارزقنا الصحبة الصالحة التي تنتشلنا من أحلكِ ليالينا المظلمة نحو نورِ السماوات والأرض، نحوك، إليك، “اللهم إنّا لك فأعِدنا إلينا كيما تُعيدنا إليك”.

استيقظت اليوم لتخبرني ابنتي ذات الستّ أعوام: “ماما كورونا راح لبيته، مافي كورونا تقول يديدة*” كورونا يعني الحظر يعني البقاء في البيت، وكانت كلما أصرّت على الخروج أقول لها “فيه كورونا ماما برّا ما يصير نطلع”، اليوم يستبشر الجميع برفع الحظر الكلي وبداية الحظر الجزئي الممتدّ حتى رفعهِ تمامًا قريبًا جدًا لتعود الحياة بشكلها الطبيعي، اليوم هو ثالث أيام عيد الفطر، وهو يوم ميلادي الثامن والعشرون ويوم البُشرى كما يتداولونه في مواقع التواصل الإجتماعي، بإذن الله يكون عام البُشرى لي ولكم.

*يديدة: جدّتي.

هنا تدوينتي حين أكملت الخامسة والعشرين: خمسًا وعشرون عامًا منذ شروق الشمس

أضف تعليق