
في كل يوم، في كل صباح تحديدًا، نحن نولدُ من جديد، عنّي أنا .. أشعر كما لو أني أُخلَق من جديد، لا أعرف ماهي القدرة الخارقة التي لديّ تجعلني أتغافل الأمس لا أتجاوزه، أظلّ أحملهُ معي، فوق ظهري .. كحملٍ ثقيل يؤلمني دون أن يراه أحد، يعيش معي، ينام معي، التجاوز صعب وثقيل عندي، لازلت أذكر المرّات الأولى في كل تجربة حياتية مررت بها، وهل تُنسى البدايات؟ وهل تخفُت دهشتها؟ لا، لكنها إن ظلّت فهي تظلّ مؤلمة ومتعبة، كلما قامت ذاكرتي باسترجاعها واستعادتها، تضربني من جديد، حين أودّعهم، أودّع أجزاء مني عاشت معهم، تفاصيل عايشتها ووجدتها فقط معهم، لذا أنا أقول بأني أتغافل لكن ليس سريعًا جدًا، لا أُشفى بسهولة، جراحي غائرة وكسري تفضحهُ عيناي، آخذُ وقتي طويلًا حتى أبدأ بالتغافل والتناسي شيئًا فشيئًا.
اليوم ربما أبدو أقلّ قلقًا، أهدأ نوعًا ما، أحاول أن أصنع طريقًا سهلًا ليدخل منه الهدوء دون أيّ تعقيد، أدعهُ ينسابُ نحوي، نحو قلبي، مرورًا بدمي وشراييني، أحتاجُ الهدوء ولا سِواه.
مؤخرًا بدأت أستوعب بأني فعلًا لا أنفع مع أي أحد، ربما لا أضرّهم بقدر ما أضرّ نفسي حين أسمح لهم بالاقتراب منّي، أو حين أجعلهم يستريحون بعض الشيء بداخلي، حتى حين يهمّون بالذهاب يبقى مكانهم خاليًا، وأكره أن أراني بهذا الخواء، لذا سأحاول منذُ هذه اللحظة أن أملأني بي وبي وبي فقط، ربما يبدو صعبًا أن تكتفي بنفسك، أن تحبّ نفسك بهذا القدر، لكني يجب أن أجرّب ذلك، البدايات يجب أن تُصنع، وأنا .. يجب أن أنهض، يجب أن أبدأ.
كثرة الصدمات، وتعدّد الخيبات تجعلنا أكثر انعزالًا، تأخذنا نحو زاوية الصمت، والبعد أكثر فأكثر عن العلاقات وما يترتّب عليها، حين نختار الانعزال أخيرًا، علينا أن نتعلّم كيف نتقبّل أنفسنا، ننشغل بها وحدها، ننظر لها كما لو أنها الكائن الوحيد – على سطح هذه الخليقة – القادر على أن يتحمّلنا كما نحن، الكائن الوحيد الذي إن رحل، فلن يرحل سوى لربّه.
إن كنّا .. على كل حال، ميّتين في نهاية المطاف، أليس من الأجدر بنا أن نحاول العيش بما تبقى من أعمارنا الضئيلة مكتفين بذواتنا مستقلّين، متخفّفين بقدر المستطاع من علاقاتنا البشرية، إن لم أنفع لأحد أو مع أي أحد، على الأقل سأتعلم أن أكون نافعة لنفسي ومعها، حريٌّ بي أن أبتعد، أن أصدّق ما يمليهِ عليّ عقلي قبل أي شيء، أن أعتزل أي علاقة كانت مصدرًا للقلق في حياتي، أي علاقة لا يتساوى فيها مقدار العطاء والأخذ، أي علاقة كنتُ فيها الطرف الذي يُستغلّ ويُنسى، ولا يُذكر إلا حين يختلي أحدهم مع نفسه ويشعر بالملل أو الفراغ ليتذكّر وجودي! أحب أن أكون خفيفة لا أُثقِل على أحد، وحين أشعر بثقلي عليك، سأنسحب بهدوء كما أتيتك.
يبدو بأني سأصاحب الكتابة هذه الفترة أكثر، ذاك أنّي كائن ثرثار، وإني حين أكتب، أكتب بهذه الكثافة، فإمّا شحٌّ وصمتٌ طويل، أو ثرثرة لا تهدأ، أعدك بأني لن آتي إليك مجدّدًا، وحين أشعر بالرغبة بالحديث مع أيّ أحد .. سأكتب لوحدي وأكتب حتى تملّني الكتابة.
٢:٥٥ مساءً – ١٦/ فبراير/ ٢٠٢٠