عن انكسار القلب، وعن المسامحة

6693db41dca6fbe50f5f64cf7a679572
حين ينكسر ما بداخلك عميقًا، حين تظن بأنك غير قادر على أن تعفو وتصفح، حين تشعر بثقل الأمر على صدرك، حين تكون المسامحة أصعب وأثقل من أن تنظر في وجهه دون أن يمتعض وجهك، أو ينعقد حاجبيك لمجرّد النظر إليه، حين تزمّ شفتيك نفورًا منه، في الوقت الذي تُشيح بوجهك عنه، يتسلّل في داخلك شعور غريب لم تعهده على نفسك، في اللحظة التي تظنّ فيها بأنّ قلبك غير قادر على مسامحته، لا تشعر بشيء، أنت تظنّ شيئًا لكن شعورك يناقضك، تتفاجأ كيف لك أن تسامح بهذا الشكل، حين يتعارض الشعور والرغبة، حين يتفوّه لسانك بما يناقض شعورك الداخلي، جرّبت ذلك أوّل مرة حين مات عمي قبل أسابيع قليلة، في الوقت الذي لم أكن لأسامحه على السنوات التي ظُلمت فيها مرّات عديدة، وعايشت فيها أمرّ الأوقات، حين قرأت الخبر أوّل مرة تركت ما بيدي ورميت بهاتفي على سطح مكتبي وأنا أنظر إليه غير مصدّقة! لتتّصل أمي بعدها فتخبرني “عمّك يطلبك الحلّ سامحيه أسومة سامحيه” وقفت وأنا أصرخ “مو لازم أسامحه ما أقدر أسامحه!” خرجت من العمل وذهبت مباشرة إلى منزلهم لتستقبلني زوجته عند الباب وهي تبكي “راح عمّچ يا أسما راااح”.
في تلك اللحظة لم أشعر بنفسي وأنا أحتضنها وينطلق لساني “مسامحينه والله يا خالة مسامحينه ربي يرحمه محلّلينه يا خالة والله”، جلست بعدها وأنا في صدمة لما نطق بهِ لساني وما بدا بأنه معارض تمامًا لما يشتعل في صدري من حرقة! حتى في اليوم الذي يليه، حين ذهبنا جميعًا للسلام عليه ثم الصلاة عليه في المسجد، قبّلت رأسه وأخبرته كما لو أنه يسمعني “سامحتك عمّي، الله يرضى عليك، محلّلتك الله يعلم”، لا أعرف مالذي جعل لساني يقول ما قاله، لا أعرف لماذا حين أشعر بأني غير قادرة على مسامحة الناس الذين أخطؤوا في حقّي وقاموا بطعني مرّة بعد مرّة فأعود لأسامحهم بتلك السهولة!
أما بالنسبة لك أنت، حين أنظر إليك الآن، أريدك أن تعرف بأني لا أستطيع مسامحتك أبدًا! لهذا تبدو عيني غاضبة ولساني صامت، وفي نفس الوقت لا أشعر بأيّ شيء بداخلي، هل يبدو كلامي مفهومًا وواضحًا لك؟ لأني أنا نفسي لا أفهم مالذي يحدث لي؟ وكيف أصبحت بهذا الشكل، لا أُعاتب ولا أهتم، وفي أحيان كثيرة أتعمّد لأبدو بمظهر المُعاتبة الحزينة رغم أني لا أشعر بشيء حقيقةً لكن لأُشعرك بفداحة أخطائك، بأصابع الاتّهام التي تُشيرُ بها نحوي وحين تحوّر الحديث لأكون أنا المُخطئة والمُلامة، أنا مُتعبة يا صديقي، مُتعبة، وأريدُ أن أستريح، أريدُ للهدوء أن يعمّ أخيرًا.
صدقني الآن حين أقولُ لك بأني كبرت في السنوات القليلة الماضية بما يعادل أضعافها أضعاف، حين بدأت بعض الخصلات البيضاء بالظهور في شعري وحين تحوّلتُ من فتاة باردة قليلة العصبية إلى أخرى تسهل إغاظتها وإثارة انفعالها بسرعة، غيّرت فيني الحياة أمورًا كثيرة زادتني صلابة وقوة أكثر، لا يُثيرني الكلام المعسول ولا شدّة الاهتمام بي تُغريني، في كل مرة يضعف فيها قلبي، أذهب مع عقلي تاركةً قلبي يخفق لوحده، أسدّ جميع الطرق المؤدّية إليه، عقلي دليلي وإن بدا قلبي بإحساسهِ صائبًا، حياتي هذه الآن لابدّ أن أتخلّى فيها عن قلبي تمامًا لا أن أسدّ الطرق نحوه وكفى! وضعتُ فيه حبّ صغيرتي وحده وأغلقتُ عليه الأبواب وانتهى.

أضف تعليق