عن الشفاء بعد الفقد، عن الرّضا

2339a7a9b2bd834c74bff4a49ea493d6

لنعُد إلى نقطة البداية من جديد، كيف نشفى من الفقد؟ أعني فقد قطعة منكِ، بالمعنى الحرفي هي قطعة منكِ تخلّقت وتكوّنت من دمكِ أنتِ ولم تلبث طويلًا حتى استيقظتِ ذات صباح ووجدتِها رحلت عنكِ، لا أعرف كيف أُسمّيها، لم تكتمل بعد، لكنها أتت بعد انتظار، بعد ليالٍ طويلة من الدعاء والبُكاء، حين أظلم كل شيء في عيني، كانت هي كل ما أرتقبُه، كانت هي الحدث السعيد في حياتي، لم أصدّق بأني سأعيش تلك الأوقات من جديد، لطالما كنت أقول لأخواتي كيف لقلبي أن يتّسع لأكثر من طفل؟ هل أستطيع أن أحب من جديد غير ابنتي؟ وكانوا يضحكون، تهزأُ أختي بي وكأنني الأم الوحيدة التي جربت هذا الشعور! ربّما، حين تمتلك هذا الحجم من العاطفة، هذا الحجم من العطاء والحب الذي يكبر بداخلك دون أن تعلم كيف ولمن ستعطيه، ستشعر حينها بأن لا أحد يستحق كل هذا سوى طفلك وهو الأجدر به، ولأنه لا أحد يستحقه غيره لا تستطيع أن تتخيّل اقتسامه على أحد آخر، وهذا مالا أفهمه لأني لم أجرّب ذلك بعد.

لم تكن الفترة طويلة، لم تمكث بداخلي أكثر من شهرين، ومنذ أن علمتُ بك، كتمتُ فرحًا صغيرًا بدأ يرقصُ بداخلي، وتولّد الخوفُ أكثر، وكنتُ أخشى من أن أفقدك، لأنك أتيت في أشدّ الأوقات عندي، في أصعب الأيّام، في العام التي كانت نفسي في أقصى حالات اضطرابها، في العام الذي زهدتُ فيه كل شيء، في العام الذي تحوّل هذا العالم بعيني إلى رماديّ باهت، لا أدري كيف ستتلوّن هذه الدنيا من جديد، كنتَ أنت الضوء الذي سيُبدّد هذا الشعور الباهت، كنتَ ستلوّن كل ما تنظر لهُ عيني، وكانت الدنيا ستضحك أخيرًا في وجهي، وكنتُ سأبتسم بصدق، وسأفرح بصدق، وقد أبكي طويلًا لأني لم أشعر بهذا الفرح منذ زمن طويل جدًا!

الليلة، وأنا لازلت أحاول الشفاء منك، تفتّحت كل الجروح القديمة لديّ، كمن يُحصي ندوبه وعلامات جروحه القديمة، كمن يبحث عن أيّ شيء ليبكي، لازلت أستعيد كلام أمي حين أخبرتها وأنا عائدة من المشفى حين تلقيت الخبر أوّل مرة، أذكر صوتي جيّدًا، لا أعلم كيف خرجت الحروف من فمي، رغم أني كنت أستعدّ لمواجهة يوم كهذا وأخشى وقوعه، لكنّ صوتي بدا كما لو أنهُ يتكسّر، يتهدّج، ويُعيد تكرار ما يقوله، وحين رجعت للبيت، تكرّر أمي عبارات الصبر والعوض، وكنت أنفي كل ما أشعر به، كنت أقول عكس كل ما بداخلي، كنت أحاول أن أقف دون أن أسقط، منذُ كبرتُ وأنا أكره أن تلاحظ أمي ضعفي ودموعي التي أخفيها بين الكلام، كنت أصمت كلما أحسست بغصة تباغتني لتتحول لموجة بكاء، لم أبكِ طويلًا، وكنتُ أهربُ بحزني باختبائي بين أهلي، لأنني لو هربتُ لنفسي لواجهتني، ولم أشعر بالرغبة وقتها لأفهم ما يحدث في جسدي، لأفهم الآلام التي كنتُ أشعرُ بها وأنا أفقدك، وأنت تترُكني أخيرًا، كنتَ كل شيء، لكن حدث ما حدث، وبقلبٍ راضٍ سلّمتُ أمري لمن وهبك وأنا أعلم بأن عوض الله عظيم عظيم وهذا يكفي.

3 رأي حول “عن الشفاء بعد الفقد، عن الرّضا

أضف تعليق