لسنا طبيعيّين كما يجب!

tumblr_opcbf6PmXq1sgzhgyo1_540

لا أدري إن كنتم تعرفون معنى أن يكون كل شيء blank أمامكم، يعني بأن كل شيء يبدو فارغًا لا تحمل بقلبك أي شعور تجاهه، لا تدري أنت حزين أم مكتئب أم أن الأمور تسير برتابة مملة فقدت فيها شغفك واهتمامك بالأشياء كما لو أنك تعيش على انتظارٍ ما، لا تعلم ماذا تنتظر ومن تنتظر ولمَ تنتظر؟!

لكنني أعلم جيّدًا جدًا بأني بعيدة كل البعد بأن أكون بخير، صدقًا لستُ بخير وأعلم ذلك وأعلم لماذا وأعرف كيف الخلاص من هذا لكن حين يكون الحل الوحيد الذي لديك أصعب وأثقل من أن يكون حلًا عاديًا بمقدور أي أحد أن يتخذه دون المِساس بآخرين ودون أن يتعلق بأحدٍ سواك، المشكلة حين يكون الحل جذريًا يغيّر الأمور ويقلبها كلها، أن تختار بالنهاية شكل الحياة التي ستعيشها وهي أن تستمرّ بالعيش بعقلك وعقلك فقط تاركًا قلبك بعيدًا عن هذه الحياة حتى تلقاهُ في الحياة الأخرى، في الجنة التي نسأل ربّ العباد أن يجمعنا بها جميعًا، من الصعب في حياتي القصيرة هذه حتى الآن أن أكملها بقلبي وعقلي معًا، قد اخترتُ منذ فترة طويلة شكل حياتي، كنتُ قد سألت الله مرارًا بأن يختار لي ولا يخيّرني، وهذه خيرة الله والحمدُ لهُ أوّلًا وآخرًا.

لكن الحياة لا تزال مستمرّة، حياتك التي لم تعِشها بعد كما يجب، مستمرّة، وأنت لازلت مشدوهًا تتسائلُ كيف تستطيع فعل ذلك؟ لا تزال تنبّش عن كيفية سير الأمور! كيف تتكيّف وكيف تتقبّل كل شيء كما هو عليه، بكل المساوئ والعيوب، بكل المصاعب التي تتشكل أمامك كجدار يقفُ بينك وبين مسايرتك لهذه الحياة وبحثك عن طرق لتجاوزها بأيّ شكلٍ كان، أنت في معركة يومية مع الحياة، مع وجوهها وأشخاصها المتعدّدين، ذوي الوجوه المتعدّدة، أنت الذي يتم استبعادك في كل مرة، لا تزال تحاول أن تجد مقعدك بينهم، لماذا؟ حتى تحفظ حق العيش بكرامة وبشكل طبيعي، تنسى كيف بدأ كل ذلك، لا تدري إن كنتَ سببًا بالذي تمرّ به أم أنك لست مقبولًا بينهم ببساطة أو حتى مرغوباً به بشكل عام، تواجه سيلًا من الأكاذيب والنفاق الذي تجهل أسبابه وتلوم نفسك مئة مرة إن كان لك إصبعًا حتى في ذلك أم أنها عقولهم التي تشكّل بعض الأفكار الخاطئة أم ماذا بالضبط؟ 

يبقى أمامي أن أعيش بقلبٍ بارد وبأعصابٍ مرتخية وبالٍ هادئ، كيف من الممكن أن يحصل هذا؟ 

كيف للشخص أن يختار طريقة تعامله مع المشكلة في لحظة وقوعها، كيف له أن يجبر نفسه ألّا يشعر بالغضب ولو داخليًا، حتى وإن استطعت التحكم بتصرفاتك وردود أفعالك الخارجية، ماذا عن داخلك الذي يشتعل ويحترق بينما أنت منشغلٌ بصنع وجهٍ لا مبالٍ وابتسامة غبية لا تدري لماذا تظهر على وجهك، حتى يطاردك بأحلامك كل ما وددت قوله وفعله في حياتك ومواقفك شبه اليومية، لطالما استيقظت وأنا أرى نفسي قد قلت كل ما أرغب بقوله أمامهم لكنني بالنهاية أشكر الله لأني لم أتفوّه به حقيقةً في الواقع فكل ما أخشاه بأن يرى الناس مدى تأثير تصرفاتهم ووجوههم العابسة عليّ! لا أريد أن يعلم أيّ أحد كيف استطاعوا أن يسبّبوا لي هذه التعاسة! كيف تخترقني كلماتهم التي لا يُلقون لها بالًا وكيف بأقوالهم التي تصل إليّ تقوّلني ما لا أقول! لا أفهمُ كيف لهؤلاء البشر يا الله كيف لهؤلاء بأفعالهم هذه أن يتواجدوا على هذا المكان وهذه الأرض التي نتشاركها سويًا! كيف لهذه الفئة التي أعجزُ فعلًا عن فهمها أن تكون موجودة هنا! يا الله! 

هذا العالم بات يفتقد إلى الكثير من الرقة كما نفتقد نحنُ إلى الصلابة والقوّة على مواجهته، أصبح من الصعب أن تواجه ما تواجههُ هكذا بهذا الشكل، مجرّدًا من كل شيء عدا عقلك الذي يفكّر لوحده مختلفًا عن كل ما تراه وتخالطه، تقول أمي بعد سنين من التجارب والمواقف التي مررنا بها وربما بعد ما مررتُ أنا به من مواجهة مجتمع كامل لا أستطيع الانخراط فيه ولا مسايرتهم ولا حتى التصدّي لهم، تقول: “ربما الآن، نحنُ الذين على خطأ وهم على صواب، ربما هذا التعقيد -كما يصفونه- وهذه الحياة التي نعيشها هي من صنعنا، نحن الذين صنعنا أنفسنا بهذه الهشاشة، نسمح للآخرين أن يحطّمونا بتلك السهولة، نحن الذي نسعى للمثالية في كل شيء حتى على حساب أنفسنا، وهذه الحساسية التي تحكم تعاملنا مع الآخرين، ومحاسبة كل تصرّف وقول يصدر منّا كلما رأينا اختلافًا في تعاملهم، وكلما لاحظنا وجوههم المتجهّمة وتصرّفاتهم التي نستهجنها، نعيد التفكير في كل ما دار في هذا اليوم وكيف كانت ردود أفعالنا، وأين كان الخطأ، نوجّه أصابع الاتّهام علينا أوّلًا، حتى نبرّئ أنفسنا إن كنّا بريئين حقًّا ثم نغرق بالتفكير والتحليل في تصرّفاتهم وردود أفعالهم، لكن .. ماذا بعد؟ ماذا جنينا من كوننا أُناسًا نخشى المواجهة، ونفكّر ألف مرّة قبل أيّ شيء، لم نستطِع مسايرة الجميع، لم نعرف كيف نكون بهذه الجرأة لنصبح مثلهم، لا نعرف كيف نطلب ونستغلّ الفرص جيّدًا كما يفعلون، صدقيني للأسف هؤلاء هم الطبيعيون وهم من يستطيعون العيش براحة أكثر، إلّم نستطع نحنُ التكيّف معهم فهو خطؤنا نحنُ! نحنُ اللذين نعاني، نحنُ لسنا طبيعيّين كما يجب!”

رأيان حول “لسنا طبيعيّين كما يجب!

أضف تعليق