يمرّ كل هذا ولا يبقى ..

8d9b7f421fc0a853b204beec2c5601ee
لا أفهم لماذا يتعيّنُ عليّ أن أبقى أو يُطلب منّي ذلك في اللحظة التي أقرّر فيها ترك كل شيء، في اليوم الذي عزمتُ فيه – منذ أن صحوت – بأني سأترك كل شيء الآن، حتى أشيائي وحاجاتي المتعلّقة في ذات المكان، حتى ممتلكاتي الثمينة، سأمضي خفيفةً متخفّفةً من كل شيءٍ عداي، سواي أنا وحدي، سآخذني وأمشي، لأبدأ من جديد .. رحلتي وحدي. لا تقل لي ابقي، لا تقل لي “ابقي حيث يعودُ الراحلون”، فليعودوا، حيثُ تركوا الأماكن خاليةً بعدهم، فليعودوا الآن ليجدوا الفراغ ماثلًا أمامهم، فليجدوا هذا الكمّ الهائل من الانتظار الذي تركوه خلفهم، فليجدوهُ متمثّلًا لهم كصمتٍ ثقيل لا لون له. أما أنا فقد آن الأوان، ولو بدوتُ لك متأخرة! لكنّني ومنذ زمن طويل كنت أنتظر هذا الصباح أن يأتي، وأنا أغسلُ أطباق الفطور أحدّق في الشبّاك الذي تخترقهُ شمس ديسمبر الدافئة، كأنها تعلن نهاية كل شيء، وبداية أشياء كثيرة جدًا كما آمل. كلنا كنا نقول ونكتب عن جمال البدايات، لكننا دائمًا ما ننسى بأن النهايات هذه تعني بالتأكيد بداية شيء آخر، ولادة حياة أخرى، ونفس جديدة. وإن كان المجهول يغلّف كل ذلك، فكل ماهو علينا فعله أن نستكشفه، بمتعة البدايات، بتحدّي تجربة الحياة كما لو أننا نحياها لأوّل مرّة، نندهش من تفاصيلها، وننبهر منها كلما أحسسنا بالانطفاء.

هذا البرد الذي بدأ يزحفُ نحو مدينتنا الصغيرة، برد ديسمبر اللذيذ الناعس، بقدر ما يبدو عليه الشتاء من ملامح بائسة وثقيلة إلا وإنه بالنسبة لي يعني لي عكس ما يبديه، مهما شعرت بأني أذوي نحو نفسي، أغرق بالتفكير بي وبهذه التعاسة التي تمرّ .. هأنا أقول تمرّ، تمرّ الأشياء، والمشاعر السيئة، تمرّ الكآبة، وكل الأشياء الموغلة في الحزن والداكنة جدًا، يمرّ كل هذا ولا يبقى، وحدها نفسي تبقى، خالية من كل ذلك وهذا ما أحرص عليه.

هذا اليوم لم أتصوّر بأنه سيحدث بهذا الشكل، لم أتخيّل بأنه سيأتي أصلًا، الحمدلله على كل شعور، على كل خفّة تعبر القلب، تسكنُ القلب، وتخمد كل ما كان يشتعلُ فيه، الحمدلله على نعمة هذا الشعور، الحمدلله حتى يبلغ الحمد منتهاه، الحمدلله.
من المثير بالنسبة لي، كيف لكل هذا التسليم، هذه الطمأنينة أن أشعر بها في الوقت الذي تضيق فيه كل الأمور، في الوقت الذي تختلطُ فيه الأشياء، بحيث تبدو لك الصورة من بعيد مهزوزة وغير واضحة، لا شيء يبدو لك بأنهُ ماضٍ نحو اتّجاهٍ واضح، هو حتمًا مرسوم ومقرّر من ربّ السماء، هو حتمًا معلوم ومكتوب، لكننا، أنا وأنت، وهم، والآخرون كلهم يرونها بشكل آخر، بالشكل الذي أكرهه جدًّا، حتى أنا نفسي لو ابتعدتُ قليلًا لأراها، لمزّقتها أو شوّهتها بالألوان حتى لا تتّضح معالمها. كل ما أفعلهُ في هذه الأيّام هو التركيز على كل يوم لوحده، أحاول جاهدة جدًّا ألّا أفكّر بماذا سيحصل بعد؟ ماذا سيحدث بعد أسبوع، أسبوعين أو شهر من الآن، كل هذا أحاول أن أهمّشه، وأركّز فقط بما أحملهُ بين يديّ في هذه اللحظة وما أواجهه في هذا اليوم فقط، ومن المدهش كيف ينتهي اليوم سريعًا! وحين يخلد الجميع إلى النوم، في الوقت الذي أدفنُ فيه وجهي أسفل “البطانية” وأردّد بيني وبين نفسي “أنظري كيف انتهى هذا اليوم! هل نجوتِ؟ هل كل شيء على ما يُرام؟ هل كل أعضائكِ وأطراف جسمك تعمل بشكل صحيح وسليم؟ هل قلبك مازال ينبض؟ هل تسمعين صوت ابنتك وهي تغطّ بالنوم بجانبك؟ هل نسيتِ اليوم أن تضعيها في غرفتها؟ أم أنكِ ستستمرّين بالقول بأنك ستضعينها بغرفتها – التي أمضيتِ قرابة شهر وأنتِ تعدّينها وتزينيها – في نهاية كل يوم ستكرّرين وتقولين “خلاص، اليوم آخر يوم .. ومن الغد ستنام في غرفتها!” لكن كما يبدو لم تتهيئي لذلك بعد!” ستردّدين الكثير من الأسئلة حتى تقرّي عينًا وتحمدي الله على كل ماهو لديكِ، ناسيةً متناسيةً كل ما ينقصك، تبدو الحياة في نظرك أصغر وأقلّ تعقيدًا من أن تؤخذ بهذا الجدّ! هذا ما كان يُردّد دائمًا حولك، بألّا تأخذيها على محمل الجدّ! وهاهي الآن، هل ترين مدى تفاهتها؟

رأيان حول “يمرّ كل هذا ولا يبقى ..

أضف تعليق