
هذا الكتاب ليس فقط لتقويم سلوكيّات الطفل أو تأسيس عقليته أو تكوين مفاهيم لديه بل هو بالأصل للمربّين، للآباء والأمهات ومعلمات رياض الأطفال المربّيات، لاحظت أثناء اجتماعنا في مناقشة هذا الكتاب مجموعة كبيرة من الفتيات معلّمات رياض الأطفال وسعدت بل فخرت كثيراً بوجود نخبة ممّن يهتم في قراءة هذه الأمور التي تُعنى بالتربية والتأسيس وهذا ما يجعلهنّ مربّيات بحق في زمنٍ أصبح التعليم مادة تُقدّم دون أي عناء والبعض ممّن يراه مصدر للرزق فقط! مما يرعبني في هذه المهمة هو الدور العظيم والعبء الثقيل المُلقى على كاهلهم حقيقةً، أعلم بأنها مسؤولية كبيرة لذا كنتُ ولازلت أخشى التزامي فيها، خوفًا من تقصيري فيها، ولطالما كنتُ أردّد بأنّ إنجابي لطفلٍ لهي مسؤولية أعظم ومن الأولى أن أصبّ كل اهتمامي وجهدي على مالديّ فلستُ أتحمّل كل أولئك الصغار دفعةً واحدة وأنا أجهل ما إذا كنت أستطيع تحمّل هذه المسؤولية وأقوم بها كما يجب.
ينقسم الكتاب إلى قسمين، القسم الأول حول أهمية القراءة وكيفية استجابة الدماغ للتعليم، بالإضافة إلى بعض المبادئ الحياتية العامة.
والقسم الثاني يتحدث فيه الكاتب عن الطفل المفكر وأنواع التفكير، مدعّمة بأمثلة وتطبيقات عملية يمكن اتّباعها وتجربتها.
من النقاط المهمة التي أعجبتني جدًا في بداية الكتاب هذه الملاحظة:
“أتح للصغير فرصة ولو مرة واحدة للتميّز على من حوله، وذلك كأن يكون أوّل من دخل دورة في فن من الفنون أو أوّل من امتلك حاسبًا آليًا من طراز كذا”
تمييز الطفل بهذه الأشياء يزيد من ثقته بنفسه وإعجابه بوالديه وفخره بهما حين يكبر ويتذكر هذه الأمور، بل وقد يكون هذا التميّز هو النواة الأولى لصنع مستقبله وتكوين شخصيته المستقبلية دون أن تدري.
طبعًا بالإضافة لبعض النقاط الأساسية حول تحبيب الطفل بالقراءة، كانت بنظري معروفة ومكرّرة ربما لكن هناك إضافة جميلة قد تصنع الفرق وهي تشجيع الأبناء على الحديث عن الأشياء التي قرؤوها ومناقشتها أو عن شخصيات القصة التي قرؤوها وأيّها أعجبتهم، ولماذا؟ وهكذا.
انتقل بعدها إلى الحديث عن وعي الطفل بذاته ومن أهم النقاط التي قمت بتحديدها بأننا أحيانًا قد نبالغ في نظرتنا تجاه الفعل الخطأ وقد نقوم بالتهويل وهذا لا يقتصر فقط على تعاملنا مع الأطفال بل وحتى في تعاملنا مع من حولنا، فكما يقول عبدالكريم بكار هنا: “إن الشيء الذي علينا أن نطلبه من الصغار، ونطلبه من أنفسنا أيضًا، هو إدانة الخطأ، وليس إدانة الشخصية .. إن الطفل أو المراهق لا يستطيع اجتناب الخطأ، لكن المرء حين يخطئ مرة أو مئة مرة، لا يصبح شخصًا سيئًا أو منحرفًا، أو شخصًا لا يرتجى لأي خير أو امتياز، وحتى نقف الموقف الصحيح، فإن علينا أن نجاهد أنفسنا ونضبط ألسنتنا، ونتجنب التهويل .. وإذا كان كل خطأ يجعل صاحبه سيئًا، فهذا يعني أن الناس جميعًا سيئون، لأنه ليس فينا اليوم من لا يخطئ.”
ولهذا دائمًا ما كنت أقول لابنتي الصغيرة حين تقوم بفعلٍ خاطئ “أنا أحبك يا لجين يا حبيبتي لكن اللي سويتيه مره خطأ وما حبيت اللي سويتيه مره يزعلني هالشي والله! ترضين ماما تزعل؟” وبعدها أغضب منها ولا أقوم بالرد عليها حتى تقوم بالاعتذار مني وتقبيل رأسي ويدي فأقوم باحتضانها وتقبيلها والثناء على اعتذارها وبوعدها لي بعدم تكرار ما فعلته رغم أني أعرف بأنه سيتكرر مرّات ومرّات على الأقل حتى تكبر وتعي أكثر.
كما أضاف في نقطة لاحقة عن معاقبتنا لأبنائنا بأنها لا ينبغي أن تكون شديدة فتدفعهم للكذب أو التهرّب من قول الحقيقة ويجب أن يعلم الطفل بأن العقوبة ستكون حتمًا أقل حين يعترف بالخطأ عوضًا عن اتخاذه الكذب وسيلة كي يهرب من التوبيخ أو العقاب. بالحقيقة أننا لا نلتزم بفعل ذلك، فأحيانًا يقوم بعض الأهل بتوبيخه حين يقول الطفل الصدق وهو حين يخبرنا الكذب قد نقوم بتصديقه ويهرب، لذا يجب أن يشعر الطفل بالأمان وهو يقوم باعترافه بالخطأ بكل صراحة وصدق. كما ذكر في المبادئ الحياتية العامة ملاحظة مهمة: “حين يغضّ المربّي الطرف عن بعض أخطاء من يربيه، فإنه يكسب تعاطفه ويترك في نفسه نوعًا من المهابة له ..”
في الفصل الثاني تحدث عن أنواع التفكير حيث قسّمها إلى عدة أقسام ذكرها بتفصيل جيّد وبسيط ومباشر جدًا مدعّمًا بالأمثلة والشرح البسيط والذي برأيي كان الفصل الأهم في هذا الكتاب، أنواع التفكير:
١- التفكير الإبداعي: للأسف قد يظن البعض من الأهل بأن الحديث هنا في هذا النوع قد يتعلّق بالجانب الترفيهي أو الكمالي الذي يبدو للبعض بأنه لا أهمية له لكن كما ذكر عبدالكريم بكّار: “ إن الأمة في حاجة ماسة إلى الإبداع والمبدعين لأنها تعاني من تخلّف شديد في معظم مجالات الحياة، والمبدعون هم الذين يعالجون مشكلاتها – على المستوى النظري على الأقل – ويفتحون أمامها طرقًا جديدة للازدهار.” ثم ذكر بعض النقاط المتعلّقة بما يمكن أن نفعله من أجل تأسيس العقلية المبدعة للطفل.
٢- التفكير الإيجابي: تحدث هنا عن مدى تأثير الكلمات على أفكار الطفل وعواطفه وأبسط مثال على ذلك هو ما ذكرته سابقًا فيما يتعلّق بنظرتنا تجاه أخطاء أبنائنا وتصرّفنا حول ذلك، فالكلمات والأسلوب المستخدم قد يؤثر سلبًا أو إيجابًا على عواطف الطفل فحين يفهم الطفل بأن التصرّف الذي فعله خاطئ وليس هو كإنسان ككل خاطئ، كما أننا حين نخبره بأننا لا نحب هذا الفعل أفضل من قولنا له “لا أحبك حين تفعل كذا” مثلًا، فيجب توضيح الفرق في خطابنا له، كما أنه من الأفضل ألّا يعتاد الطفل على لفظ “أكره” ونستبدلها مثلًا بـ “ لا أفضّل أو لا أحبّ”.
كما ذكر أيضًا بأننا نحتاج أن نذكّر الطفل بإنجازاته دائمًا ونجاحاته وتصّرفاته الحميدة ونبتعد تمامًا عن تذكيره بأفعال خاطئة سابقة.
٣- التفكير الواقعي: برأيي قد لا يستوعب الطفل ذو الثلاث أعوام هذا النوع من التفكير حيث لا أشعر بأنه قد يفهم نوعية الخطاب هنا فالتفكير الواقعي هو كما ذكره بكّار في إحدى النقاط المتعلّقة به: “اطّلاع الأطفال على الواقع الماثل، يعني بوجه من الوجوه اطّلاعهم على الحقيقة.” ففي هذا النوع يستوجب منّا أن نخبر الأبناء عن بعض الأحوال حتى يتفهّموا بعض الأمور، لذا يُراعى هنا عمر الطفل ومدى جدّية الموضوع واستيعاب الطفل له، كما أنه من المهم جدًّا عدم استخدام الخيال أو الكذب، فقد يكون التصرف الصحيح هو الإعراض عنه من الأساس وعدم استخدامه معهم حتى يشعر الوالدان بمدى وعي أبنائهم وإدراكهم لهذا.
٤- التفكير الناقد: هذا النوع من التفكير يُعدّ بالنسبة لي من الأساليب المبدعة والتي تنمّي تفكير الطفل فعلًا، فقد ذكر من ضمن النقاط المتبعة لتدعيم الملكة النقدية لدى الطفل فإنه يتوجب علينا تحريضه على طرح الأسئلة حول كل ما يراه أو يشعر به، فالله سبحانه قد فطر الأطفال على التساؤل والتطلع إلى معرفة ما يجهلهم، حيث يقول هنا: “المهم أن يشعر الطفل أنه لا يرتكب خطأً حين يسأل، والمهم أن يتلقّى الجواب الصحيح والمقنع.” وربما من أجل أن نكون على قدر من الهدوء والتحمّل يجب أن يؤخذ بالاعتبار توقيت السؤال ولذا يجب التنبيه هنا بأن الطفل له الحق أن يعلم بأن الوقت ربما قد لا يكون جيّدًا في هذه اللحظة وبأن سؤاله سيجاب عنه في وقت لاحق ويجب الالتزام في ذلك من قبلنا نحن المربّين.
٥- التفكير الموضوعي: وهذا بنظري يشبه التفكير الواقعي من ناحية تطبيقه على الطفل فيجب المراعاة في هذه النقطة أيضًا عمر الطفل فهو يقوم على استيعابه ونظرته تجاه أي قضية أو أي موقف، حيث ذكر الكاتب هنا الشيء الأساسي الذي يحتاج الأطفال إلى فهمه وهو: “أننا حين ننظر إلى أي قضية من القضايا الثقافية أو الاجتماعية أو الحضارية، فإننا ننظر إليها من خلال مبادئنا وثقافتنا وخبرتنا، وبما أن كل هذه الأمور تختلف من شخص إلى شخص، ومن مجتمع إلى آخر، فإن من الطبيعي أن يكون إدراكنا للظواهر والأحداث والتصرفات مختلفًا ومتباينًا، أعني أن الموضوعية التي يدّعيها كل واحد منّا لن تكون أبدّا كاملة، بل ستكون نسبية ومنقوصة”، كما ذكر عدة أمثلة – مدعّمة – استطرادًا لهذا الشرح.
باختصار كما قال بكّار: “لا يبدع الطفل إلا إذا عاش في بيئة، تؤمّن له أمرين أساسيين، هما الأمان والحريّة.”
أخيرًا تحدث عن تكوين المفاهيم لدى الأطفال وذلك بذكر عدة نقاط مهمة من ضمنها: النقاش المفتوح، الحوار المثمر، تشجيع الأطفال على أن يكون لهم حكمهم الخاص على ما يرونه، كما اختتم هذا الموضوع بكيفية تكوين مفهوم الصداقة حيث أسهب في حديثه ولكن بشكل سلس وممتع إذ يحوي بعض الحوارات والمفاهيم السامية من الواجب تكوينها لديهم.
بالنهاية سأختم مراجعتي للكتاب الذي استفدت منه كثيرًا وحتمًا سأعود له من جديد فهو مرجع أساسي بنظري لكل أب وأم وكل مربّي حريص على تنشئة طفل واعي ذو عقلية مميّزة ومبدعة.
رائع الله يعطيك اللعافيه وجزاك الله خير
كنت افكر اقرءه لكن من كلامك تبين لي اهمية القراءة فيه
لا عُدمنا منك ♥️🌹
الله يعافيك، وإياك نورة .. حيّاك