بياض

6bcca9fb138895322dc322582c407b6a

في اللحظة التي ينتهي فيها كل شيء، في اللحظة التي يطلّ فيها البياض عليك فيعميك، لا تدري أهوَ ضوءٌ ما جديد .. يخترقُ عينيك ويُشتّت في نفسك كل شيء دفعةً واحدة، أم هوَ ذاك البياض الذي يُصاحبُ مرضى الزهايمر فيُحيل صفحاتهم الملوّنة والمزخرفة والمليئة بالشخابيط إلى بياضٍ كالعدم، فيتيهون وسط الكلام، حين يبدأ التشتّت بالعبث بذاكرتهم ويمزّق صورهم وأصواتهم المُخزّنة بداخلهم، حين تنسلّ الذاكرة بهدوء من عيونهم وآذانهم شيئاَ فشيئاً، حين يتخبّطون فجأة، وحين يبحثون عن الكلمة المناسبة، عن المُفردة التي من المفترض أن تُقال فيعجزون حتى عن الإتيان بها، ما هذا البياض؟ ما هذا البياض الذي أعجزُ حتى عن فتح عينيّ لأتلمّسه وأتحسّسه، شيءٌ لا يشبهُ أيّ شيء عرفته من قبل. شيءٌ لا يشبهني ولا يملك الغموض الكافي ليشدّني نحوه، لكنّني أتسائل عن ماهيّته ولا أعلمُ إن كان يروقُ لي أم أنني ربما لم أعتد عليه بعد أو ربما لا أودّ الاعتياد عليه.

في هذه اللحظة، هنا .. والآن، وعلى بعد كل تلك المسافات، حين تجبرك بعض الطرق أن تسلكها، وحين تمضي مجبراً ربما، أو لكونهِ هو الطريق الوحيد الذي لا مفرّ منه، أو هكذا يبدو لك لكنك تجهل حتى الآن في أيّ الطرق تكمنُ فيها نفسك، حياتك وأحلامك ومستقبلك، لا تدري بعد إن كان هذا الطريق الذي تسلكه الآن سيأخذك نحو مسارٍ آخر قد يغيّر كل شيء أو ربما قد يُعيدك إلى طريقك القديم، بعدما تغيّرت الحياة وبلغت فيها ما بلغت لتكون مستعداً لتخوض حياةً أخرى كنتَ تحلمُ بها، حيث قلبك وطمأنينتك، حيث تمكثُ فيها شمسك، ويلتمعُ فيها ضوءُ بدرِك، حيثُ ترقدُ أحلامك، وحينُ تصحو أخيراً بعد كل تلك الأيام.

لا أُخفي انشغالي بهذا البياض الذي بدأ يمحي دفاتري ويعيدها خاليةً فارغة، يحوّلها لدفاتر جديدة لا أستطيع التعرّف عليها ولا أشعر بأنها ملكي، لكنهُ يحاول أن يملأ كل شيء، وأعترف بأني بدأتُ أنسى أجزاءً كثيرةً منّي، أخافُ انجرافي خلفهُ هكذا، وانشغالي به بهذا الشكل لا يُعجبني، أشعرُ بأنّي أتخلّى عني، أتحوّل لأخرى لا أعرفها، ترعبني هذه الحقيقة، يرعبني كيف أتحوّل بهذا الشكل ولا أعلم إن كنتُ سأتقبّلني أم لا؟

رأي واحد حول “بياض

أضف تعليق