خمساً وعشرون عاماً منذ شروق الشمس

7aa60cd6ba7721c04c10d79f118e2cd5

بعد سبعة أيّام – أسبوع من الآن – ، في السادس والعشرين من أيار/ مايو سأُكمل الخامسة والعشرين، قد يوافق أوّل يومٍ في رمضان أو قد يكون مكملاً لشعبان، لم أذكر بأن تاريخ ولادتي كان مميّزاً من قبل كما هو هذا العام، لذا شعرت بالحماس قليلاً لأكتب عنه قبل أن أبلغه، أسأل الله أن يُبلّغنا هذا الشهر الكريم ويبلّغنا هذا العمر ويُعيننا على طاعته يارب.

خمساً وعشرين عاماً منذُ شروق شمسُ ذاك اليوم، خمساً وعشرين .. كم يبدو الرقمُ كبيراً ومُخيفاً بعض الشيء، أتسائلُ إن كنتُ سأتوقّف عن العدّ بعد هذا اليوم أم لا؟ لكن أن تصِل إلى هذا العمر لهو أمرٌ مخيفٌ قليلاً، ماذا فعلت وماذا أنجزت حتى هذا اليوم؟ أسألُني هل أنا راضيةٌ عن نفسي و ما أنا فيه؟ كيف أراني وكيف من المفترض أن أبدو عليه؟

قبل خمسةِ أعوامٍ لو كنتُ سألتُ نفسي حينها ” كيف ترى أسماء نفسها بعد خمسة أعوام من الآن؟ ” كنت قد أجبتُ بأني يجب أن أنضج أكثر، أن أفكّر بعقلي قبل أن تغلبني عاطفتي، ألّا أرى العالم بالعين الحالمة الوردية التي كنت أراهُ بها، أن أكون أكثر حذراً في علاقاتي مع الآخرين؛ بقدر ما يدّعون من قربهم لي عليّ أن أبتعد قليلاً ولا أتحدّث كثيراً وأكتفي بالاستماع وحده، في هذا العالم الذي أعيشه الآن .. هناك من البشر الذين لم أعتقد يوماً بتواجدهم ولم أصدّق وجودهم في هذه الحياة!

مضت الخمس أعوام سريعاً، الزمن كان كفيلاً بأن يُغيّرني لأكون بهذا الشكل! بهذا القالب الذي لم يعُد يشبهني أبداً، أسألُ إن كنتُ سأستعيدُ بعضي لو تحسّنت بعض الأمور؟ وهل أُريدُ أن أستعيدهُ حقّاً أم لا؟!

لا أعلم مالذي سأقوله أو سأتحدّث عنهُ هنا، فكل ما سأقولهُ الآن ارتجالي وعفويّ جداً، ولمن يعرفني جيّداً لستُ ممّن يُعيد قراءة ما كتب أكثر من مرّة ليُنقّح أو يمحو سطراً ويُضيف عبارة أو يستبدلها بأخرى، لو كنت ممّن يفعل ذلك فلا أظن بأنّ كتاباتي كانت ستُنشر في يومٍ من الأيّام.

أفكّر كيف بدأتُ هنا؟ كيف أتيتُ إلى هنا وأصبحتُ ما أنا عليه الآن؟ كيف أصبح لديّ هذا الكمّ الهائل من الأصدقاء الرائعين الذين تعرّفت عليهم من مختلف البلدان والجنسيّات والعجيب في ذلك بأنّ الكثير منهم أيضاً لم يكن متأكّداً من أيّ بلدٍ أنا! لا أعلم هل اسمي كان له دورُ في ذلك أم لهجتي التي تتبدّل حسب لهجة الشخص المتحدّث معي وهذا ما يحصل معي في الحقيقة أيضاً ليس فقط في هذا العالم الافتراضي هنا – ولا أدري إن كان يصحّ تسميته بالافتراضي بعد ما شهدنا اليوم على تداخله واختلاطه بعالمنا الحقيقي حتى اختلط علينا العالمين وأصبح من الصعب أن نفصل بينهم – .

لازلت أبتسم كلما تذكرت تعليق إحدى صديقاتي بالحقيقة ممّن كنّ يعرفنني هنا بالبداية ثم سعدتُ بمعرفتها عن قرب بالواقع، طول تلك المدّة كانت تعتقد بأني فلسطينية مثلها رغم عدم إجادتي للهجة بالشكل الجيّد، وتفاجأت حين رأتني أتحدّث مع أخرى لتصرخ في وجهي “كييف أنتِ مو فلسطينية؟ أردنية؟” هل أعترف بأني شعرت بالفخر وابتسمتُ لهذا الإطراء حقّاً!

قبل ٧ أعوام، دخلت هكذا دفعة واحدة بجميع مواقع التواصل الاجتماعي، أنشأتُ مدوّنتي هذه، كنتُ أكتب قبلها على صفحات الفيس بوك الذي كان للأصدقاء المقرّبين فقط ثم تشجعت قليلاً وبدأت أكتب هنا، وفي تمبلر أيضاً، ذاك المكان الذي يحتفظ بجميع حالاتي وثرثرتي التي لا معنى لها سوى “الحلطمة” أو “الفضفضة” ثمّ لاشيء يُستفاد منها، لكنني كنت أشعر بالراحة والخلاص ممّا أشكوه وأعانيه في تلك اللحظات.

قبل خمسة عشر عاماً، وأنا بالعاشرة تقريباً علّمني والدي استخدام الحاسوب، وكنت أجلس معه كلما حضر أحد أقاربنا “الشاطر” بمجال الحاسوب وأنظمة التشغيل، أيام فلوبي ديسك وويندوز ٩٨ وما تلته من إصدارات .. ففي كل مرة يأتي ومعه نسخة أو تحديث كنت أتسلّل إليهم وأجلس معهم حتى اعتاد أبي على ذلك وأصبح يناديني لأشاهدهم. جميلة تلك الأيام الأولى التي يملؤها الدهشة والانبهار والمتعة بالاكتشاف وأنا أراه يتصفّح موقع الردّادي “دليل المواقع العربية”، وقتها كان الانترنت عن طريق سلك الهاتف، ووقتي الذي خصّصه لي هو بعد وجبة الغداء حتى قبل أذان العصر بقليل، نصف ساعة إلى ساعة تقريباً، حفظتُ جميع مواقع الأطفال الموجودة في الردّادي ولعبت بمعظم ألعاب الفلاش!، لم تمضِ سنتين أو ثلاث بعدها حتى أنشأ لي والدي وأنا بالمتوسطة أوّل بريد إلكتروني على هوت ميل والذي كان بالسرّ بيني وبينه دون علم والدتي التي غضبت بعدها وصارت تلومُ والدي بأنه يُدلّلني أكثر من اللازم! وقتها دخلت عالم المنتديات حتى تخرّجي من الثانوية ثم ودْعته وأتيت إلى هنا. أذكر أنه اتّصل بي وهو في مكتبه بالعمل وأخبرني أن أقوم بالدخول على موقع هوت ميل الآن! لازلت أذكر ابتسامتهُ الهادئة ليطمئن بها والدتي بأنه هو من أنشأ لي البريد الإلكتروني ويعلم كلمة المرور الخاصة به فلا داعي للقلق، ربما كوني الابنة الكُبرى فكانوا يشعرون بعظم المسؤولية تجاهي أكثر لأنّهم لأوّل مرة يُكلّفون بتربية مراهقة مثلي!

كل هذه الأعوام التي مرّت بكل مافيها من اللحظات السعيدة والتعيسة أيضاً، كلّها كلّها في كفّة، بينما هذه الأعوام الخمسة أو لنقل الأربعة الأخيرة أضعها في كفّة أخرى لوحدها .. يقولون الزمن كفيلٌ بكل شيء، الزمن كفيلٌ لتنسى، لتُشفى، لتتعلّم وتقع وتنهض وتضرب رأسك، وتلطم خدّك وتجرّ شعرك وتعضّ على أصابعك وتُصاب وتُجرح وتندم وتبكي، مرّةً من شدة فرحك ومرّاتٍ كثيرة من شدّة حزنك وتعاستك التي لا يعلم عنها أحد سوى ربك وحده، يحدُث أيضاً أن تلتقي بأصدقاء جميلين، وعظيمين جداً، كما يحدُث أن تلتقي بزملاء جامعة وعمل، أن تلتقي أيضاً ببعض البشر وبأنصافِ بشر لا تدري ما علّتهم ولا تعرف كيفيّة الحديث معهم ولا حتى التعامل معهم وماهي سُبُل الخلاصِ منهم، هذا الزمن الذي لم يكن سوى بضعة أعوامٍ لم تتعدّى الأربعة أعوام كانت كفيلة والله لتبدّلك إلى إنسانٍ آخر لم تتعرّف عليه مرآتُك حتى الآن! كان الزمنُ كفيلٌ بكل هذه التغييرات التي حصلت لكنهم كذبوا حين قالوا بأنّ الزمن كفيلٌ لتنسى وتُشفى من أيّ علّةٍ تشكو منها.

في هذه الحياة، نُقابل أشخاصاً يقتربون منّا حدّ الالتصاق فينا، وحين نفقدهم نفقدُ أجزاءً كثيرةً منّا بعدهم، قرأت الكثير من العبارات التي تشبه هذه المقولة، وكم هي حقيقية فعلاً! مخطئٌ من كان يظنّ بأنهُ سيُشفى حين يلتقي بعدهم غيرهم، مُخطئٌ من ظنّ بأنه سيستطيع أن يُعطي كما كان يفعل من قبل، سيظل يبحث عنهم في غيرهم، لا أحد يستطيع أن يحلّ مكان أحد ومن كان يظنّ ذلك ليصدّقني بأنهُ كان يكذب على نفسه ويدّعي غير الحقيقة لكنه سيكتشفها لاحقاً حين يختنق بها ويشعر بأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بهذه الكذبة.

لديّ الكثير لأقوله أيضاً، لكن فجأة شعرت كمن فقد صوته أو بحّ ولم يعُد قادراً على الحديث أكثر من ذلك، مُتعبٌ هو الحديث كما أنهُ مريحٌ في نهايته، لكنك وأنت في معمعة الكتابة تشعر كما لو أنك تركض، تعدو تعدو دون أن تنظر للخلف ودون أن تعلم أين تقع نقطة الوصول بالضبط وكم بقي لديك حتى تقطع حبل النهاية معلناً وصولك أخيراً قبلهم. وهل كنت أنت الأوّل؟ ومن كنتَ تسابقُ إذاً؟ تُسابقُ وقتك وزمنك ولهاثك على طول الطريق، تُسابق الكلمة حتى تجدها ولا تفقدها، تمدّ يدك نحوها .. تلتقطها، تصرُخ عالياً هذه لي هذه لي! ثم تمسك بها كلاعب كرة القدم الأمريكية وتشدّها نحوك وتعدو بها وتخشى أن ترميها لأنها لك، كيف ترميها؟ يُصارعك الوقت فيدفعك وتطير عالياً كلمتك فيلتقطها منك، تتقافز حولك وفوقك الفكرة والكلمة دون أن تستطيع اللحاق بهما، تعودُ إلى ذاك السباق من جديد وهكذا في كل مرّة تحاول البحث عن طريقة لتعبّر بها عمّا تشعر به، لكن دون فائدة.

مهما كتبت، مهما قلت، لن أستطيع الوصول، لازال لديّ الكثير الذي أدور حوله دون الاقتراب منه لأنني – ربما – لستُ على استعدادٍ بما يكفي للحديث بشأنه.

خمساً وعشرين عاماً، منها أربعةُ أعوامٍ مضت، منذ رحيل الشمس، كنتُ في بداية العشرين حين غربت شمسُ ذاك اليوم، ولم تشرقُ بعدُ عندي حتى الآن، لكنني لمحتها في عينيّ ابنتي حين أتت قبل ثلاثة أعوام، رأيت نور الشمس في ابتسامتها، في عينيها التي تضحك، في كل ابتسامة تبادلني إيّاها كنتُ ألمحُ شيئاً من النور، من دفء الحياة، من حلاوتها التي افتقدتها منذ سنين، كانت ابنتي سعادتي وشقائي بالوقت ذاته، لم تلمع عينيّ بنور الشمسِ بعد، واختفى توهّجها في وجهي، لكن كل ما أنا عليه الآن هو انعكاس نور تلك الصغيرة، حين تكون الأنثى أمّاً – أعنّي أمّاً حقيقية، وحين تسعى جاهدة فعلاً أن تكون كذلك -، يرتسم على ملامحها شيء من السماحة، الطيبة، لون من الحنان والجمال الهادئ المحبّب وحين تسأل عن سرّ هذه الملامح سيخبرونك بأنّها أمّ، كيف تبدو أشكال الأمهات عدا أن تكون كذلك؟

أخيراً، إلى أسماء، إلى أسمى كما أحبّ، إلى نفسي، إليّ أنا، كوني قويّة أكثر .. اصبري قليلاً بعد، لا يليق بالأمّ سوى الصبر، خُلقنَ أن يكنّ صابرات.

و إلى حين شروق الشمس من جديد، سأظلّ أنتظر.

١٩/ أيار/ ٢٠١٧ – الخميس

٢:١٥ صباحاً

هنا تدوينة كتبتها عندما أكملت العشرين! مثير كيف أنهيت كلا التدوينتين بنفس الصيغة ورسالتي إليّ! لكن الاختلاف كبير بين الرسالتين! والأحداث التي حصلت في خمسة أعوام فقط مثيرة!!! مثلما لم أكن أعلم وقتها عن حياتي الآن، لا أعلم كيف سيكون شكل الحياة التي سأحياها بعد خمسة أعوام أخرى إن شاء الله! انقبض قلبي لكن أتمنى أن تكون كلّها خير يارب كلّها خير يارب كلّها خير يارب.

رأي واحد حول “خمساً وعشرون عاماً منذ شروق الشمس

أضف تعليق