
أقترب من انتصاف عمري ولا أدري كيف ستكون الأيام والسنين القادمة، أسير وكأنّ عينيّ معصوبتين، لا شجاعة لديّ لأرفع العُصابة عنّّي لأرى ما الذي أسيرُ عليه، وما الذي أفعلهُ الآن وماذا يحدث لي فعليّاً!
تعبٌ يلوّن وجهي ويكسوه، يُضيفُ لعمري أعواماً وأعوام، أكادُ أكبر أكثر ممّا أبدو، أنا التي لطالما بدوتُ أصغر من ذلك، أكبرُ الآن.
لا أعلم كيف يظنّ البعض بأنّي قويّة! لكنني فخورة بأني استطعتُ ادّعاء ذلك طوال تلك الفترة وجعلتهم يصدّقون ما أبدو عليه.
منذ أن عهدتني وأنا أضع الخطط والآمال وكل الأحلام أمامي وأسعى وأحاول دائماً لتحقيقها والبدء فيها، لكن، وخلال تلك الأعوام القليلة الماضية لم أستطع تخيّل شكل الحياة التي أحياها أو التي سوف أحياها – إن شاء ربي ذلك – لكأنّني فقدت القدرة على التخيّل، على التخطيط، على الحياة بالكامل.
أن تمضي يومك وحياتك لمجرّد أنّك تحيا لا تعيش، لمجرّد أن ينتهي اليوم بسلام، أن تنتهي هذه السنة بسلام، دون أن تحقّق شيئاً، دون أن تنجز أو تقتنع أو ترضى بشيء، تشعر بأنّك لا شيء، تحيا للاشيء، تحيا وتحاول أن تتعايش، مجدّداً أقول تتعايش، لا تحاول أن تعيش، بل تتعايش، تفرض على نفسك حياة ليست حياتك لأنها كل ما لديك الآن، وكأنها هذه هي النهاية، عليك أن تتقبّل ذلك، لا فرار، لا هرب الآن.
يخبرونك بأنه يجب عليك المحاولة بتغيير نفسك، من حولك لن يتغيّر، تقبّل ذلك وغيّر من نفسك، أتقدر؟ عنّي أنا لم أستطع تقبّل ذلك!
يخبرونك بأنه يجب عليك أن تضحّي قليلاً، لا تتوقع التضحية منهم، لكنّك أيضاً يجب أن تتنازل، تعايشي هكذا، لم أستطع!
يخبرونك بأنّ كل ما يحدث لك هو نتيجة ما تفعلهُ أنت، لكأنّ العالم حولك لا يشوبهُ عيبٌ ولا نقص، يغضبون لأنهم لم يقولوا بأن العالم حولك كامل لكن مجدّداً الخطآ خطؤك أنت! تقبّل ذلك.
أن تسمع هذا الكلام في كل مرة تحاول فيها الحديث والفضفضة، فلتصمت إذاً واحبس حديثك في صدرك ونم معه، تألّم وحدك وتعايش معه، هذه حياتك بعد الآن.
هناك هاجسٌ يتردّد في بالي كل يوم، وكل لحظة تمضي، أعلم جيّداً بأنّ لا راحة لي إلا بعد أن أفعلها، لكنني سأدفع ثمن ذلك، وسيكون هذا الثمن غالياً جداً، تضحية ومخاطرة كبيرة، وقرار كبير سيغيّر كل شيء للأبد، أعلم ذلك كما أعلم اسمي هذا.
وأعلم أيضاً بأني لن أبكي ولن أحزن إن حصل ذلك، لكنني أخشى الندم فيما بعد، ليس خسارةً، لا أبداً، بل لكوني أخطأتُ ربما، بأن الحياة هذه قد تكون أفضل ممّا توقعتها ستكون، وحين أعود لأفكر بهذا الشكل يعود ذلك الهاجس من جديد يذكّرني بأنّ هذه ليست حياتي، ليست أنا أبداً!
الحيرة تكادُ تقتلني، التردّد يعبثُ بي، يأخذني يميناً وشمالاً، وهذه الحياة تخنقني أكثر، إني أتأرجح ولا أعلم متى وأين سأقفز، إلى متى سأظلّ هنا على هذه الأرجوحة، يتعاقب علينا الليل والنهار، والأعوام تمضي سريعاً سريعاً لا أستطيع أن أتوقّف ولا أستطيع تحديد ما الذي يتوجّب عليّ فعله؟ في قرارة نفسي وبداخلي أمرٌ ما، ربما لو تأكدتُ منه لعلمتُ كيف سأحيا بعدها، ولربّما قد أكون تعلّمت التعايش والعيش من جديد.
صعبٌ جداً أن أتأكد من هذا الأمر الذي بدأ يُشعل فتيله بداخلي وأشعر بأني أحترقُ كلما فكرتُ بذلك، ربما ليس بتلك الصعوبة لكن قد تكون له عواقبه أيضاً، أتمنّى أن أتحقّق منه، كي يطمئنّ قلبي، كي أرتاح، كي أعيش لأوّل مرة منذ سنين.