31 | عزلة الصيف

مؤخّراً، بدأتُ أعتاد على تشابه الأيّام، الصباحات التي باتت تتكرّر دون أن تحمل معها أيّ جديد، الليالي التي اتّخذت شكلاً واحداً تأبى تبديله .. وكلّما حاولت أن أكسوها برداءٍ قد يُبهجها قليلاً، ترفُض. نجحتُ مرّةً بعد محاولات عديدة حتى استسلمت لي لكنها لم تشعر بتوافقٍ بين ما تمرّ بهِ وبين ما أحاول أن أرغمها عليه. تخيّل أن تُرغم أحدهم أن يشعر بأمرٍ لا سُلطان لهُ عليه!

قال لي – منذُ زمنٍ – صديقٌ قديم ” تجاهلي، تجاهلي ما يُكدّر عليكِ صفوَ حياتك و حاولي أن تعيشي، ركّزي على ما يحدث الآن أمامك وأشغلي نفسك دائماً “، طوال هذه الفترة وأنا أُزاحمُ نفسي ووقتي بكل شيء أستطيع فعله وإنجازه، صدّقني حاولت لكن حينما تعلم في قرارة نفسك بأنك تفعل هذا لأمرٍ تعلمهُ جيّداً، فهذا يشبهُ قول أحدهم ” لا تفكّري بهذا، امنعي نفسكِ من التفكير به” بالنهاية تجد نفسك قد وقعت غارقاً بالتفكير بالأمر الذي تهرُب من التفكير به.

الآن، ماذا لو قررت أن أبتعد عن كل شيء؟ أن أعيش العُزلة وحدي .. لا أحد يصِلُني ولا أصِلُ أحداً. وماذا لو تركُتني وسط الجميع وحدي؟ أعيش عزلة بينهم؟ لا أُبالي إن كنتُ على ما يُرام أم لا .. ماذا لو أكملتُ المسير في هذه الحياة بقلبٍ مكسور، بروح مُهشّمة و ذاكرة تترنّحُ تعباً؟ لازلتُ أعيش كما يبدو، أليس كذلك؟ فلأطمئنّ إذاً. رُغم ذلك كلّه، لازال لديّ إيمانٌ كبير بأن ثمّة عوضٌ قد يصادفني أثناء مسيري، وأعلمُ بأن ربّي سيجبُر كسري ويُرمّم انكساري .. ويوماً ما .. يوماً ما سيكون كل شيء على ما يُرام.

” كسلٌ خفيفُ الوزنِ يطهو قهوتي .. والهالُ يصهلُ في الهواء وفي الجسد .. وكأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني .. رآني واطمأنّ على نهاري وابتعد.”

” في البيت أجلس، لا سعيداً ولا حزيناً .. بين بين . ولا أُبالي إن علمتُ بأنني حقاً أنا .. أو لا أحد! “

بطريقةٍ ما، ترتبط قصائد محمود درويش لديّ بفترة النهار بالصيف، الساعة الثانية – وقت الظهيرة – تقريباً .. الشمس تتسرّب من خلال النوافذ إلى وسط الغرفة .. ترسم خيوطها على السرير .. وعلى ساقاي التي أمدّها أمامي وأنا مستلقية، فيغالبني النُعاس، أقرأ لدرويش ثم أغفو على كلماته “لا أنام لأحلم – قالت له -، بل أنام لأنساك”.

* عنوان التدوينة هو اسم اللوحة  Summer Solitude للفنانة Deborah Bays التي بدأت قبل عدة سنوات فقط بالرسم عندما قررت أن تقضي باقي حياتها بتحقيق حلمها وتحترف الرسم بالباستيل بعد أن قضت معظم حياتها العملية في تصميم الأزياء وتجهيزها للمسارح وحفلات الأوبرا.

3 رأي حول “31 | عزلة الصيف

  1. جميل ..
    اقرأ وأشتاق للكتابة من جديد .. مرت شهور لم اكتب فيها شيئاً .. شعرت وكأني أنعم بقراءة اسطرك .. اسلوبك يذكرني بشيء دفين في داخلي .. شيئاً كنت استخدمه ثم ركنته وتكوم عليه الغبار ..
    ربما احتاج لان اعود مجدداً .. واتحدث عما بداخلي ..
    شكراً لك اسماء .. اتمنئ لك اياماً متجددة ونشطة ..

  2. إن استسلامك لليأس والحزن الذي يحلّق فوق رأسك
    سيأتي اليوم الذي تشعرين أنكِ قد تخلّيتِ عن الكثير، وضيّعتي الكثير
    لأجل شيءٍ ” لا يستحقّ ! ”
    لا تُبالي، قومي وانفضي عنكِ غبار الإستستسلام وامضي ..

    أمنياتي لكِ بأيام سعادة لا تنتهي ♥

  3. بحثت في ثنايا الوجود فلم اجد اجمل من احساسك
    وتأملت ثنايا روحك فلم اجد اروع من عذب كلماتك
    استلهمت خيالي ليبحر في خلاياك عله يشبع نهمه وفضوله لسرك الدفين
    واطلقت العنان لاحلامي فكانت الطف وارحم من خيالاتي
    فشاهدت ابتسامتك التي لازالت عالقة في الاذهان
    كم تمنيت ان اتنفس عبق افكارك
    لتبقى جزيئات اوكسجينك الذهبية عالقة في صدري الصغير
    وتضفي اليه حياة جديدة
    خطواتك الادبية عنوان لهدوء الكلمات في زمن الصخب
    وحزن اسطرك جمال من بديع السموات فسبحان من الهمك
    انتهى

    تحية تقدير لكاتبة خلف الكواليس اتمنى تتاح لك الفرصة لتظهري على السطح وتزيحي اشباه الكتاب
    اتمنى لك كل التوفيق والنجاح
    هذه محاولة قد تكون فقيرة امام ابداعك – رأيك يهمني

أضف تعليق