7 | بعضُ هذيان ..

– ماذا يعني أن تتغيّر الأيامُ واللحظاتُ والنفوسُ والزمنُ ذاك الذي يحملُ ذكرياتِنا معاً؟ ماذا يعني أن تتغيّر و تتبدّلُ قلوبُ المُحبّين .. ووحدهُ قلبك لا يتغيّر! يظلّ يذكُر الحُب القديم .. يعودُ في كل مرةٍ إلى ذكرى جميلةٍ جمعتهُ مع أحبّته .. يتذكّرها كما لو أنهُ يعيشُها .. يذرفُ دمعهُ الحزين .. و يتمنى .. يتمنى لو عادوا إلى عهدهم .. أو أخذوا قلبهُ معهم .. و خلّصوهُ من مرضِ فقدهم أو ساعدوهُ في نسيانهم ..

ليسَ هناك ما يؤلمُ  كأن تستمرّ في ممارسة طقوسِ انتظارِك لهم .. و كتابة رسائلك التي تُخبّئها بعيداً عنهم .. و ادّعاءِ القوّة في غيابهم لئلاّ يلمحوا ضعفك بعدهم!
لستُ قويّة جداً .. لكني أحاولُ أن أكون!
لستُ ضعيفةً جداً .. لكني أخشى أن أكون!

– قولي لي ، لمَ لا أستطيعُ أن أنسى؟ أعني ، انظري إليهم .. كيف يُجيدون ذلك ببراعة؟! ليتني أجِدُ صندوقاً أضعُ فيه كل ذكرى حدثت ، مزّقتني و جرحتني و لازالت بعضُ آثارها في قلبي .. كثُقبٍ كبيرٍ أُداويهِ بالصبر و أتعلّلُ بالزمن الذي سأنسى معهُ كل هذهِ الأيام ! رغم أني على يقينٍ بأنها لن تزول أبداً .. ستظلّ معي حتى ذاك اليوم الذي سأُفارقُ فيهِ هذه الحياة!سأحرُص أن أغلِق الصندوق جيّداً وأخبّئهُ تحت السرير! فذاك الصندوق أصبح من الصعب جداً التخلّي عنه ..

سأخسرُها حتماً! سأخسرُ عثراتي السابقة .. ليالي الشتاء الطويلة .. والبكاءِ وسطَ الظلامِ وحدي .. سأخسرُ كل الأيامِ التي احتجتُ فيها يداً تُربّتُ على كتفي .. تشدّ على كفّي و تُخبرُني أنا معكِ! ولكني لم أجِدها ..

سأخسرُها لأنّي يوماً ما قد أحتاجُ العودة إليها لأرى كم كنتُ قويّةً! وكم استطعتُ الصمودَ خلال تلك الأيامِ وبعدها .. لذا لن أُفرّط بصندوقِ الأحزان ذاك .. بكل مافيهِ من أيامٍ مُتعبة جداً إلا أنها جزءٌ مني! أيّ بشرٍ أنا إن أردتُ الخلاص من ذكرى حزينة و الاحتفاظ بما سواها .. ليس هناك من بشرٍ كل أيامهِ خيرٌ و هناء! لن أخسرَها أبداً! ستبقى كوشمٍ في الذاكرة .. يؤلمُ في البداية و نعتادُ عليهِ في النهاية ..

وحدهُ الله سيُرمّمُ الانكسارات التي مررتُ بها ، الخُذلان الذي لاقيتهُ من بعضهم .. و الكلماتِ التي خلّفوها بعدهم ، لتبقى شاهدةً على ألمٍ أودعوهُ القلب و رحلوا ..

– أحلمُ والأحلامُ قد ضاعت منّي .. أتمنى والأمنياتُ كثيرةٌ ، آآهٍ أخشى أن غادرتني ..

يبقى ليلُ الأمسِ يُشقيني و يؤلِمني .. والغدُ باتَ سراباً ، طيفهُ بعيدٌ هُناك ، كم بعيدٌ أنتَ عنّي ..

هواكَ لستَ تُدرِكُ كيف يبدو .. آهٍ لو تعلمُ كم صعبٌ عليّ أن أنجو!

يكفي و أقولُها ألماً .. فليس شيءٌ منكَ يكفي! لا الحُضورُ ولا الحديثُ ولا صمتُك الطويلُ الذي يفصِلُك عنّي!

يكفي حُزناً على جرحٍ لازلتُ أعجبُ كيف أتى من قلبٍ مُحبٍ لا يعرِفُ معنى أن يؤلِم أحداً لم يعهد منهُ الجفاء والقسوةَ و الألمِ!

” أنا الجفا ليه أخاف الناس تجفاني
وأنا الحبيب الذي من يعشق عيوبه
راعي الوعد وأن صدق مرة ولاقاني
يحتار بين السراب وقلب محبوبه
يامن عذابه يشققني ويرفاني
فرقاك غصب علي بالحيل مكتوبه
خبرت نصف تعب من نصفه الثاني
بعضي الرماد وبعضي نار مشبوبه ”  – * بدر بن عبدالمحسن

11:57 PM

3 رأي حول “7 | بعضُ هذيان ..

  1. لله درك يا اسماء
    حرفك مذهل ما شاء الله
    اسأل الله ان يصبغ على حياتك و من تحبين سعادة لا تنقطع ()

  2. هواكَ لستَ تُدرِكُ كيف يبدو .. آهٍ لو تعلمُ كم صعبٌ عليّ أن أنجو!

    موجعةٌ وراااااائعة أسماء

    أحب هذيانك ()

  3. أحياناً أجزم أن القلب ليس قطعة لحم .. بل هو مصنع !
    يعجز عن صناعة أبسط المشاعر ولكنه يتفنن بإنتاج أقساها ..
    الذكرى أقسى من أن تنساها .. أشد من أن تمر بك وتداريها وتواريها وتدفنها .. لحظة ما قرأتُ بداية كلماتك زارني شعور قوة .. لكن بعد ذلك أيقنت أنك مثلي مثل كل الناس .. نمثل القوة ونمارس الشعف مع أنفسنا !
    كلنا ذاك الإنسان الذي يتمنى أن ينسى .. يعشق النسيان لكن هناك أشياء هي لا تنساه !
    هي تمارس نفوذها وسطوتها .. وسلطتها على روحه !

    آه على العمر .. مضى ونحن نلوك ذكرياتنا ونأمل بمستقبلنا .. ولا نعيش لحظتنا !

أضف تعليق