لستُ بمزاجِ جيّدٍ للكتابة ولكني بحاجة إلى أن أكتُب ..
فقدتُ الرغبة بالكتابة .. شعرتُ بأنّنا كالأحبّةِ المتُخاصمين ولكني أجهلُ لمَ باتت تكرهُني لهذا الحدّ!
كنتُ قد اعتدتُ على أحاديثِنا الصغيرة .. ليلاً بعدما ينامُ الجميع .. وصباحاً قبل أن تفيقَ تلك الجفونُ المُثقلةُ بالنومِ ولا سِواه ..
تُشارِكُني الكتابة قهوتي السوداء، صديقتي التي تعرِفُ حالاتي المزاجية لتضبِطها لي جيّداً .. فأرتاحُ قليلاً ..
وبعد أن يحلّ المساء، يصحبُني الشايُ الأخضرُ المُضافِ إليهِ بعضُ النعناع، هو الآخرُ يعلمُ كيف يُصفّي ذهني و يُزيحُ بعض همّي للحظةٍ أو بعضَ لحظات ..
أفتقدُ المُتعة التي كنتُ أشعُرُ بها وأنا أكتُب ..
أصبحَ كلّ ما أكتُبهُ مشاعرٌ تسكُنُ قلبي .. يعلو صوتُها أحياناً فأكتُبها بلغةٍ ضعيفةٍ جداً .. ولا أفلِحُ في وصفِها كما يجب .. وأعلمُ أنّي لن أُفلِحَ مهما حاولت ..
لم يكنِ الحديثُ عن المشاعِرِ أمراً سهلاً أبداً .. وكل ما كنتُ أكتبُه .. لا يصِفُ سوى جزءاً ضئيلاً منها ..
في هذهِ اللحظة .. أتمنى لو كنتُ في إحدى المقاهي الصغيرة .. المنتشرة على جوانِبِ الطرقِ و الأزقّةِ الضيّقة .. في مكانٍ ما .. في إيطاليا أو أسبانيا ..
أقرأُ لمحمود درويش أو فاروق جويدة ..
أسترقُ النظر للمارّة الغادين و الرائحين .. ألمحُ فتاةً بالسابِعة .. تسيرُ لوحدها عدا ظلّها الذي يُلاحِقُها أينما ذهبت ..
أُناديها و أُجلِسُها بجانبي .. أتحدّثُ معها قليلاً .. أسألُها أيّ عصيرٍ تُفضّل؟ لأجِدها تُخبِرُني بخجل : أحبّ التفاح ..
فأطلبٌ من النادِل عصير تفّاحٍ للصغيرة ..
أحاولُ أن أخلُقَ حديثاً معها .. سألتُها عن المدرسة و الأصحاب .. عن إخوتها .. عن كل شيء ..
لا أدري لمَ وثقت بي وارتاحت لحديثِها معي .. أنا نفسي تفاجأتُ لِجُرأتي و بدايتي للحديثِ معها وكأني أعرِفُها!
وأنا أنصتُ لها .. أجدُها تشبِهُني كثيراً .. حتى أحلامُها التي صرّحت بها عالياً دون خجل ..
أدمعت عينايَ ولا أعلمُ لمَ! .. هل أفرحُ من أجلِها أم أحزنُ لكونِها تُشبِهني ..
لم أجِد سوى أن أدعو لها .. أن يحميها الربّ .. أن يرزُقها أحبّةً يُحبّونها بقدرِ ما تُحبّهم ..
و أصحاباً لا يُغيّرُهم الزمان .. ولا يعرِفونَ الرحيل أبداً ..
ألتفتُ هُناك .. بقربِ دُكّانِ الخُضار .. أرى امرأةً تحمِلُ سلّةً .. تملؤها بالخُضار وبعض الفاكِهة ..
تتلفّتُ كمن تبحثُ عن شيء .. تجزعُ فجأة .. ثم تلمحُني و تأتي مُسرِعةً إليّ ..
كادت تغضبُ لولا أنّها رأت ابنتها تشربُ العصير باستمتاع .. وتعبثُ بالأقلامِ و الأوراقِ الموضوعةِ على الطاوِلة ..
ابتسمت لي وشكرتني على عجل ثم أمسكت يد ابنتِها وهمّت بالمغادرة ..
استوقفتها .. و طبعتُ قُبلةً على خدّ الفتاةِ الصغيرة .. أخبرتُها بأن تستمِع لابنتِها .. تُنصِت لها أكثر .. لديها الكثير لتخبرها إيّاه ..
لوّحتُ للصغيرةِ مودّعةً ، مبتسمة ولساني يدعو لها براحةٍ وسعادة تغمُر قلبها حين تكبُر ..
في الغد .. ذهبتُ إلى مقهىً فاخِر .. باذِخ بأنواعِ القهوةِ المُغرية ..
صنوفٌ جديدة لم أسمع بها قبلاً .. بالحقيقة .. وددتُ أن أتذوّقها جميعُها ..
طلبتُ النادِل ذو ربطةِ العُنقِ الحمراء و بزّتِهِ الرسميّة الجديدة ..
عرفتُ بأنّهُ لازال جديداً .. لمحتُ ذلك في ارتباكِه وطريقةِ كتابتِه للطلب ..
لم أسألهُ عن النوعِ المفضّلِ الذي يطلبُه الكثيرُ هُنا .. لكونِه لازال جديداً فما أردتُ أن أُحرِجه ..
لذا .. طلبتُ الاسبريسو كعادتي .. مع قطعة تشيز كيك بالفراولة .. و سلّمتُ له قائمة الطعام بهدوء ..
اكتفيتُ بتأمّلُ الجالسين هُنا .. ريثما يعودُ النادِلُ حاملاً طلبي ..
شدّني منظرُ امرأةٍ كبيرةِ بالسن .. قد كسى الشيبُ شعر رأسِها ..
كانت جالِسةً .. في أقصى المكان ..
بجانِب النافِذةِ الزُجاجيةِ التي تطلّ على الشارِع ذاك .. المُزدحِم بالمحلاّتِ ذو الماركاتِ الكبيرة ..
كانت تُمعِنُ النظر في شيءٍ أجهُلهُ .. لم تكُن تحتسي شيئاً .. كانت جالسة وحسب .. وحيدة ..
تنظُرُ هُناك ثم تعودُ هُنا لتستمِعَ إلى أحاديثِ الناسِ ..
و تردّ على نظراتِهم بنظرةٍ طيّبة .. ملؤها التسامُح و الصفاء ..
عرفتُ حينها بأنّها كانت تبحثُ عن زاويةٍ ما .. في مكانٍ ما .. تطلُبُ الهدوء مع قليلٍ من همسِ المُحيطين ..
أطلتُ النظرَ إليها كثيراً .. نسيتُ خجلي قليلاً .. ولم أنتبِه للنادِل وهو يضعُ طلبي على الطاوِلة ..
بعد بُرهة .. تنبّهتُ إلى نفسي .. خجلتُ منها كثيراً .. حمِدتُ ربّي بأنّها لم تنتبِه إليّ ..
أعلمُ بأنّي سأفضحُني .. وقد أضطرّ للبحثِ عن سببٍ أُبرّرُ بهِ نظري إليها هكذا ..
شربتُ قهوتي و أكلتُ قطعةً صغيرة ونهضتُ بعد أن تركتُ الحِسابَ مع الفاتورةِ على الطاولة ..
وأنا بطريقي إلى الفُندقِ الذي أسكُنُ فيه .. جلستُ أفكّرُ بحالِ تِلك المرأةِ العجوز ..
ربّما أكونُ مِثلها يوماً ما! .. آتي إلى نفسِ هذا المقهى ..
أطلُب الهُدوء وبعضاً من رائحة الذكرياتِ العتيقة .. و قليلاً من أصواتِ الأحبّةِ الغائبة ..
أجلِسُ في نفسِ الرُكنِ الذي اختارته .. أحملُ معيَ كتاباً أو دفتراً لأدوّن بهِ ما يجولُ بذهني حينها ..
أعلمُ بأنّ الذاكرة ستخذُلني حينما أكبُر .. سأحتاجُ – حتماً – إلى ذاكرة احتياطية .. قد تكونُ دفتراً أو كتاباً قديماً أكتبُ على هامشِه ..
مهلاً .. وماذا لو فقدتُ دفتري و كتابي؟ ماذا لو فقدتُ ذاكِرتي ونسيتُها؟ ماذا لو نسيتُني كما هو مُحتمل!
كثيراً ما أنساني حينما يبدأُ الآخرون بنسياني .. وكأنّ ذاكرتُهم تسكُنُ ذاكِرتي! .. حتى إذا غابوا ، فقدتُهم .. وفقدتُ نفسي أيضاً !
أخشى النسيان كثيراً .. أخشى أن أًصبِحَ كتلك العجوزِ .. وحيدةً .. تُخاطِبُ الأشياء و الجمادات ..
تذهبُ حيثُ الناس .. لتستعيدَ ذاتاً قديمة .. ذاتاً كانت هيَ! حينما كان الكُلّ هُنا .. تُنصِتُ لهُم باهتِمام .. قد تسمعُ اسمها يمُرّ بين همسِهم ..
لتطمئنّ بأنّ روحَها لازالت حيّةً بِذكرِهم لها .. لتطمئنّ بأنّهم لم يتغيّروا .. ولم يُغيّرُهم الزمان .. ولا الفقدُ و النسيان ..
لوهلةٍ فقط .. بدأتُ أعيشُ الأُمنية التي تمنّيتُها قبل قليل .. لم أكُن يوماً في إيطاليا .. ولا أسبانيا! ..
ولم يسبِق لي أن التقيتُ بتِلك الصغيرة .. ولم أرى المرأة العجوز أيضاً!
كيف لي أن أتمنّى شيئاً .. لأعيشهُ كما لو كان حقيقة! ..
أبدأ بنسجِ الأحداثِ وكأنني أحكي ماضياً أو ذكرى قديمة حدثت لي .. قبل سنةِ أو سنتين أو ربما أقل أو أكثر .. لا أعلم!
كل ما أعلمهُ جيّداً .. بأنّي حين أحلُم .. أعيشُ الحُلمَ كما لو كان واقِعاً يوماً ما!
و أظلّ أعاني من هذا الأمرِ كثيراً .. حتى أنّه خُيّل إليّ بأنّي رأيتُ ظلالَ أحبّتي وخاطبتُهم – أخيراً -.
التبست عليّ أمورٌ كثيرة .. أوّلُها أنني لم أعُد أمُيّزُ الحُلمَ عن الحقيقة .. أحلُم نهاراً ومساءً .. وكأنّ الحياة أصبحت محضُ أحلامٍ فقط !
أمرٌ مُتعبٌ أن تفقِد الحياة و تعيشَ أحلاماً بُنيت على أوهامٍ و خيالٍ يعبثُ بنفُوسِنا المُنهكةِ و المُتعبَةِ من العيشِ هكذا ..
أو – مهلاً مهلاً – قد تبدو الأحلامُ واقعاً آخر .. بعيداً عنّا ..
وإلاّ .. كيف نُفسّرُ إحساسنا بالسعادةِ حينها؟ أوشعورنا بالألمِ بعدها؟ و قُلوبُنا المُعلّقةِ بتفاصيلها و أشخاصِها و المُترقّبةِ لأحداثِها وكأننا نعيشُها!
حتماً هي واقعٌ آخر .. ليست كما تبدو عليهِ .. أحلاماً شفافة .. نعبُرها دون أن تشعُر بنا .. ونصحو منها دون أدنى إحساسٍ بأنّا كُنّا بِها !
أحياناً أرى بأنّها تُعدّ كنوعٍ من الهُروب ، من واقعٍ ما لا نحتمِلُه .. نهرُبُ إلى واقعٍ آخر .. بنيناهُ لنا .. عزاءً لنا لواقِعنا .. الملولِ منّا ومن أوجاعِنا ..
لحظة! هل بدأتُ أناقِضُني .. أم أنني لازلتُ أجهلُ ماهيّة الأحلامِ هذه؟!
هل ” لا أدري ” تكفي لأن تكونَ إجابةً مُقنعةً لسؤالٍ كهذا؟! .. أيضاً ” لا أدري! “
أأصبحتِ التساؤلاتِ التي تملأُ عُقولَنا دائماً هكذا؟! .. لا نملِكُ أيّ أجوبةٍ لسدّ الفراغ الذي يلي علامة الاستفهامِ الكبيرة تِلك؟!
أعتقدُ بأنّ ” لا أدري” كفيلةٌ لأن تملأ أيّ فراغٍ يتبعُ استفهامنا عن أيّ شيء! على الأقلّ هي إجابةٌ مؤقتة ..
أم يجدُرُ بنا أن نترُك تلك الفراغات فارِغة كما هيَ؟! فليست كل الاستفهامات تنتهي بحرفٍ و نُقطة ..
بعضُها يبقى مُعلّقاً .. كـ فاصلة تنتظرُ ” لكن ” لتستدرِك بها إجابتك!
هلِ الكتابةُ تساعِدُنا في لُعبةِ الأسئلة هذه؟! لا أدري! رُبّما!

تحية طيبة…
ادراج ممتع بحق وقد اشترك في ضعف الرغبة في الكتابة هذه الايام بالذات…
المدونة جميلة بحق واتمنى ان تستمر وان تتنوع…
تحياتي الطيبة…